ألبوم الصور
بائع الرطب
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3273593
عين الزارة التي وقف عليها الرسول الأكرم.. هل من ناصرٍ لها؟!
عبد الخالق الجنبي - « شبكة راصد الإخبارية » - 13 / 4 / 2006م - 4:17 ص

مَديْنةٌ شَديْدةُ التَّحْصيْن نُقْطَةُ ضَعْفِهَا عَيْنُهَا

تشاءُ ضاحكاتُ الأقدار أن تكون عين الماء التي كانت - يوماً ما - أحد أهم أسباب منعة الزارة عاصمة القطيف الأولى هي في الوقت نفسه السببُ الرئيسُ في استسلام هذه المدينة للعلاء بن الحضرمي قائد الجيش الإسلامي الذي توجه من مدينة الرسول  لفتح هذه المدينة العنيدة الحصينة، فبمجرد أنْ عرف هذا القائد سرّ هذه العين، واكتشف مجراها الذي كان يزود مدينة الزارة بالماء، وقام بسده عن المدينة وتحويله عنها استسلم له المتحصنون فيها فوراً، وأعلنوا رضوخهم له بعد حصار طويل بلغ السنتين أو أكثر لم يبدِ فيه هؤلاء المحاصرون أي شكل من أشكال الخنوع أو القلق.

ففي أحد الأيام الأخيرة من هذا الحصار الطويل المرهق فوجئ العلاء برجل يخرج من المدينة المحصورة ليقف أمامه طالباً الأمان له مقابل أن يدله على العين التي تزود المدينة بالمياه ضامناً له استسلام المحاصرين في المدينة إذا قطع ماء هذه العين عنها، وبالفعل وافق العلاء على طلب هذه المستأمن الذي دلّه على عينٍ عظيمة الماء قوية الجريان تقع خارج سور المدينة، ويجري ماؤها حتى يدخل إلى المدينة، فيسقي أهلها ونخيلها وزروعها، فقطعه العلاء عنهم، فكان أن صدق الرجل المستأمن فيما قاله إذ بمجرد انقطاع الماء عن المدينة فتح المحاصرون أبوابها للعلاء وجنده رافعين راية الاستسلام والخضوع.

ولعل القارئَ يتساءل هنا، فيقول: لماذا لم يستطع العلاءُ طيلة هذه المدة الطويلة من اكتشاف مجرى هذه العين الذي يدخل إلى المدينة ويقطعه عنهم في وقت مبكر بدلاً من الانتظار كل هذا الوقت؟!!، والجواب بسيط، فمجرى هذه العين لم يكن ظاهراً فوق سطح الأرض كما كنا نشاهده في مجاري عيون القطيف حتى وقت قريب، وإنما كان هذا المجرى مطموراً تحت الأرض، وكان يجري خلال قناة ضخمة مسقوفة ومدفونة في باطن الأرض تصل من العين إلى داخل المدينة المحصورة، وبالتالي فإن العلاء عندما كان يدور حول سور الزارة لم يكن يرى أي مجرى نهر سطحي يدخل إليها وإلا لكان هذا القائد المحنك قد قطعه عنهم، ولكن لأنّ الماء كان يصل إلى المدينة عبر قناة مطمورة فإنّ العلاء عجز عن اكتشافها حتى دله ذلك الرجل المستأمن عليه، وبالتالي سارع إلى قطعه، فتحقق له بذلك الظفر عليهم.

ويقدم لنا البلاذري في كتابه فتوح البلدان سرداً وافياً لهذه الحادثة، فيقول [1]  :

«تحصن المكعبر الفارسي صاحب كسرى الذي كان وجهه لقتل بنى تميم حين عرضوا لعيره - واسمه فيروز بن جشيش - بالزارة، وانضم إليه مجوس كانوا تجمعوا بالقطيف، وامتنعوا من أداء الجزية، فأقام العلاء على الزارة، فلم يفتحها في خلافة أبى بكر وفتحها في أول خلافة عمر، وفتح العلاء السابون [2]   ودارين في خلافة عمر عنوة، وهناك موضع يعرف بخندق العلاء، وقال معمر بن المثنى: غزا العلاء بعبد القيس قرى من السابون في خلافة عمر بن الخطاب ففتحها، ثم غزا مدينة الغابة [3]   فقتل من بها من العجم، ثم أتى الزارة وبها المكعبر فحصره، ثم إن مرزبان الزارة دعا إلى البراز فبارزه البراء بن مالك فقتله، وأخذ سلبه، فبلغ أربعين ألفا، ثم خرج رجل من الزارة مستأمنا على أن يدل على شرب القوم، فدله على العين الخارجة من الزارة، فسدها العلاء فلما رأوا ذلك صالحوه على أن له ثلث المدينة وثلث ما فيها من ذهب وفضة، وعلى أن يأخذ النصف مما كان لهم خارجها».

 العَيْنُ الَّتِيْ شَرَّفَهَا الرَّسُولُ  بوُقُوْفِهِ عَلَيْهَا:

لعله حتى هذا الحد لا تبدو هذه العين متميزة عن غيرها من عيون القطيف الكثيرة التي تبلغ أكثر من ثلاثمائة عيناً، أو حتى أنها لا تتميز بذلك عن بضع عُيون قوية تحيط بموضع الزارة حالياً [4] ، ويصلح أياً منها لأن تكون هي عين الزارة بكل جدارة واستحقاق، ولكن الأمر سرعان ما سينقلب إلى 190 درجة عندما نعرف أنّ هذه العين قد تشرَّفت بوقوف النبي محمد  عليها، وأغلب الظن أنه شرب من مائها لتنال بذلك هذه العين شرفاً لا يضاهى على باقي عيون القطيف؛ بل عيون منطقة البحرين القديمة المشهورة بعيونها الهائلة العظيمة.

ويعود الفضل في ذلك لرواية نادرة عن وفد عبد القيس ذكرها الإمام أحمد بن حنبل في كتابه فضائل الصحابة، وجاء من ضمن هذه الرواية هذا الحوار الشيّق بين الرسول  وبين هذا الوفد [5]  :

• « قال أيّ هجر أعزّ؟
- قلنا: المشقَّر.
- فقال: والله لقد دخلتها وأخذت إقليدها.
• أيُّ الخطِّ أعزّ؟
- فقلنا: الزارة.
- فقال: فوالله لقد دخلتها وأخذت إقليدها، وقمتُ على عين الزارة.»

وقد ذكر البسوي هذه الرواية بعينها في كتابه المعرفة والتاريخ إلا أنّ الحوار فيها اقتصر بين النبي  وبين أحد الوفد العبقسي، وهو قيس بن النعمان العبدي، ولكنْ سقط من رواية البسوي بعض الكلام، وهو من قول الرسول : «أي الخطِّ أعز» إلى قوله: «وأخذت إقليدها» [6]  .

إلا أنّ رواية البسوي احتفظت لنا بإضافة على الغاية من الأهمية كان لها الفضل الكبير في اكتشافي للعين التي كانت تُعرف بعين الزارة [7]   في الزمن القديم حيث جاءت هذه الرواية فيها بهذه الصورة [8]  :

«قال: أيُّ هَجَرَ أعَزّ؟ قال: قُلْتُ المُشَقَّر. قال: فَواللّه لَقَدْ دَخَلْتُهَا وأخَذْتُ إقْلِيْدَها، وقُمْتُ عَلىْ عَيْنِ الزَّارَة عَلَى الحَجَرِ مِنْ حَيْثُ يَخْرُجُ الماءْ.»

والإضافة التي عنيتها هو القول بأنَّ عين الزارة كانت تخرج من حجر، وفي الواقع فإنَّ هذه الصفة كانت أشبه بما يُعرف الآن بمصطلح العلامة الفارقة المعمول به في بطاقة الأحوال الشخصية، والتي بها يتميز صاحب البطاقة عن غيره من الحاملين للاسم نفسه لأنّ موضع الزارة - كما سبق وقلت - تحيط به عدة عيون قوية كلها تصلح لأن تكون عين الزارة إلا أنَّ ما ورد في هذه الرواية النادرة من أن هذه العين تخرج من حجر قد ضَيَّقَ لنا دائرة البحث ليحصرها في عين واحدة فقط لأن كل العيون التي كانت تحيط بأرض الزارة محفورة في أرض رملية أو طينية باستثناء عينٍ واحدة كانت تنبع من حجر، وقبل أن نسترسل في الكلام عن هذه العين العظيمة لا بد من توضيح بسيط لمعنى لفظة «الحجر» التي وردت في هذه الرواية.

لقد اعتاد العرب أن يصغروا الكبير، ويكبروا الصغير في لغتهم الفصيحة لا لمجرد التهويل أو التبسيط، وإنما لما تقتضيه مصلحة الحال أو بلاغة الكلام، فلفظة «اليَمّ» - مثلاً - تعني في اللغة العربية البحر، ولكنها وردت في كلام العرب بمعنى النهر كما في قوله تعالى مخاطباً أمّ موسى   ﴿فاقذفيه في اليم، فليلقه اليم بالساحل، وقد أجمع المفسرون على أنّ المراد باليم هنا هو نهر النيل بمصر الذي مهما بلغ اتساعه وكبره إلا أنه لا يصل إلى مستوى البحر في اتساعه وضخامته، وعكسه ما ورد في كلا أمير المؤمنين علي  من تسمية نهر الفرات بالنطفة، وذلك في قوله لبعض أصحابه:

«وقد أردت أن أقطع هذه النطفة إلى شرذمة منكم موطنين أكناف دجلة فأنهضهم معكم إلى عدوكم.»

وقد علّق الشريف الرضي على هذا الكلام بقوله: «ويعني بالنطفة ماء الفرات، وهو من غريب العبارات وعجيبها».

وقول الشريف الرضي بأنّ هذا من غريب العبارات وعجيبها محمول على تعجبه من فصاحة الإمام وبلاغته لاستخدامه مثل هذه الكلمة التي توحي بتحقير وتصغير نهر عظيم كالفرات بتسميته بالنطفة، ومردّ ذلك يعود لأنَّ مقتضى الحال كان يتطلب من أمير المؤمنين  أن يهون على أصحابه عبورهم لهذا النهر فجاء بهذه اللفظة التي تفيد التهوين، وهو عكس المراد من الآية الكريمة التي ذكرناها عن وضع أم موسى لموسى في التابوت ثم قذفه في اليم، فلأنّ هذا العمل مخالف لفطرة الأمومة، فقد كان لا بد من تصوير مدى خطورة هذا الأمر الذي أقدمت عليه هذه الأم نحو ابنها، وبالتالي فقد كانت كلمة «يم» التي تعني البحر هي الأفصح والأبلغ لاستخدامها في الآية هنا بدلاً من كلمة نهر.

 رَدُّ الحَجَرِ مِنْ حَيْثُ جَاءْ

والأمر نفسه ينطبق أيضاً على ما ورد في رواية عين الزارة هنا، وما نُسب فيها من قول الرسول  أنه وقف على الحجر من حيث يخرج ماء هذه العين، فالمراد من هذا الحجر ليس حجراً عادياً كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، وإنما أريد به هنا تلاً أو هضبة صخرية كانت هذه العين تخرج منها، وقد سمَّت العرب الجبل صخراً، فقد جاء في شعر الحماسة قول جوَّاس الكلبي مخاطباً بني أمية:


جئتم من الحَجَر البعيد نياطه      والشام تنكـر كهلهـا وفتاهـا
 

وعلق المرزوقي في شرحه للحماسة على هذا البيت بقوله: «وقوله جئتم من الحَجَر أراد بالحَجَر الجِنْس [9]  ، والمراد: جئتم من المكان الكثير الحَجَر، ومن بلاد الحَجَر، يعني الحجاز.»

أي أن المراد بالحجر الجبال لأن الحجاز أرض جبلية، وبالتالي فهي كثيرة الحجارة.

وجاء في شعر الراعي النميري يصف صيّادَين:


وَصاحِـبـا قُـتــرَةٍ صُـفــرٌ قِسِيُّـهُـمـا      عِندَ المَرافِقِ كَالسِّيدَينِ في الحَجَرِ
 

وإنما أراد كالذئبين في الجبل، ولكن القافية جعلته يستغني عن الجبل، ويأتي بشيء من جنسه، وهو الحجر.

وعلى هذا فالرواية عندما تقول إنّ عين الزارة كان تخرج من الحجر، فإنّ المراد بالحجر جبلاً أو تلاً أو هضبة صخرية كانت تنبع منها هذه العين، فهل يوجد عينٌ قريبة من موضع الزارة في القطيف كانت تخرج من تلٍّ أو هضبةٍ صخرية؟! والجواب هو نعم.

 عَيْنُ الزَّارَةِ لا زَالَتْ مَوْجُوْدَةٌ وَلا زالت تَخْرُجُ مِنْ حَجَرْ

إلى الجنوب من أراضي الزارة بـمائة متر فقط يوجد موضع يعرف بـ«بَرِّيَّةِ الحُرَيْف» [10]  ، والتي أرجح أنها هي ما كان يُعرف قديماً باسم ميدان الزارة الذي ذكره المؤرخون الأوائل في أخبار الثائر العبدي الريان النكري نسبة إلى بني نكرة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس [11] ، والذي ذكروا أنه خرج ثائراً على بني أمية عام 79 للهجرة من قريته المعروفة بـ (طاب) من قرى الخطّ [12]  ، فطرد والي الأمويين من القطيف، ثم احتمى بحصن الزارة؛ إلا أنّ الأمويين سرعان ما أرسلوا له جيشاً بقيادة يزيد بن أبي كبشة، فالتقوا بميدان الزارة، ودارت الدائرة على الريان ومن معه، فقُتلوا، وصُلبت أجسادهم.

والذين شاهدوا موقع الزارة قبل ثلاثة عقود من الزمان لا شك أنهم رأوا النخل الكثيف الذي كان يحيط به من جميع جهاته باستثناء الجهة الجنوبية حيث ينفرج النخل عن أرض برية صلبة لا زرع فيها ولا نخل هي برية الحريف هذه [13]  ، والتي لم يعد لدي شك الآن في أنها هي ميدان الزارة المذكور في التاريخ بعينه.

وأياً كان الأمر، فإنه كان يوجد جنوب هذه البرية هضبة مسطحة، ومرتفعة قليلاً عما حولها، وهي مستطيلة الشكل يبلغ طولها من الشمال إلى الجنوب 110 أمتار تقريباً، وأقصى عرض لها من الشرق إلى الغرب 70 متراً أما ارتفاعها فلم يكن يتجاوز 5 أمتار عما حولها، وقد كُسحت هذه الهضبة قبل عقدين ونيّف من الزمان، ثم أقيم فوق ما تبقى من دكتها بعد ذلك مركز فقر الدم المنجلي بالقطيف الآن.

غير أن أهم ما كان يميز هذه الهضبة هو وجود عين هائلة الجريان غزيرة الماء تخرج من الركن الشمالي الغربي مباشرة لها، وكانت تُعرف بعين الحريف نسبة إلى برية الحريف وهذه العين هي - من دون ريب - العين التي كانت تُعرف قديماً باسم «عين الزارة» الشهيرة التي طبَّقت شهرتها الآفاق، والتي لولا قيام العلاء بن الحضرمي بقطع مياهها عن مدينة الزارة لطال استسلام المحتمين بها إلى مدة أطول مما كانت عليه بكثير.

وهنا يتضح لنا المقصود من الرواية التي نَصَّتْ على أن الرسول  وقف على الحجر من حيث يخرج ماء عين الزارة، وهو أنه  إنما وقف على هذه الهضبة، فشاهد هذه العين العظيمة، وهي تخرج من ركنها الشمالي الغربي، ولا شك أنه كان منظراً رائعاً خلاباً يرتسم في الذهن ولا ينمحي بسهولة منه، فلا أجمل من الجلوس فوق هضبة مرتفعة عما حولها، ومشاهدة عين ماء خرارة تخرج منها، وبساتين النخل الخضراء الزاهية الألوان تحيط بتلك الهضبة والعين، وإلى الشرق والشمال الشرقي من هذه الهضبة خلف بساتين النخيل تلوح زرقة مياه بحر القطيف الزمردية ليشكل كل ذلك واحدة من أروع اللوحات الطبيعية في المنطقة على الإطلاق.

وقد ذكر العالم اللغوي الكبير أبو منصور الأزهري عين الزارة في كتابه الشهير «تهذيب اللغة»، وذلك عندما وقع في أسر القرامطة عام 311هـ، فقال عنها:

« عين الزارة بالبحرين معروفة، والزارة قرية كبيرة بها.»

وهذا النصّ يدلُّ على أن العين كانت موجودة، ومعروفة باسمها عين الزارة حتى بداية القرن الرابع الهجري، وهو يدلّ على أنّ أبا سعيد الجنابي لم يدفنها عندما فتح مدينة الزارة وقتل حاكمها علي بن مسمار الجَذَميَّ العبدي كما حاول أن يدفن عين هجر عندما فتح هذه المدينة وقتل حاكمها عياش بن سعيد المحاربي العبدي [14]  .

 تَحْقِيْقُ زِيَارَةِ الرَّسُوْلِ  لِلزَّاْرَةْ

لقد ذهب بعض الباحثين المحليين إلى أنّ زيارة الرسول  للمنطقة قد تكون أثناء العروج به إلى السماء إلا أنني لا أميل إلى هذا الرأي، والذي أميل إليه أنه قد زار المنطقة قبل أن يأتيه الوحي، ويجب أن لا يغيب عن بالنا أنّ حياة الرسول  قبل البعثة لم تُكتب بالتفصيل الذي كُتبت به بعد البعثة، فمن المعروف أنه  كان قد عمل في التجارة للسيدة خديجة - رضي الله عنها - وهو في الحادية والعشرين من عمره، وهو العمر نفسه الذي تزوجها فيه على بعض الروايات [15]  ، وقد بُعث وهو في الأربعين من عمره أي أن بين عمله لها في التجارة وبين زواجه منها 19 سنة، والتجارة في تلك الأزمان كانت تقوم على ارتحال التجار من بلد إلى آخر في أقطار شبه الجزيرة العربية المترامية الأطراف مثل البحرين وعمان واليمن والشام والعراق، وكانوا يرتحلون من سوق إلى أخرى طيلة العام على تفصيل ذكره المؤرخون، وذكروا فيه أماكن هذه الأسواق والشهور التي تقوم فيها [16]  ، وقد اشتهر في منطقة البحرين سوقان كبيران هما سوق المشقر في هجر، وسوق دارين في القطيف [17]  ، ودارين قريبة من الزارة، وقد مرّ بنا قول الرسول في هذه الرواية أنه وقف على مدينتي المشقر والزارة وأخذ إقليدهما، فهذا يدل على أنه قد زار هاتين المدينتين بقصد التجارة للسيدة خديجة - رضي الله عنها - في سوقيهما الشهيرتين، وبالتالي فإننا نستطيع أن نجزم أن تلك الزيارة كانت في الفترة الواقعة بين الحادية والعشرين وبين الأربعين من عمره الشريف  أي في الفترة الواقعة بين (590 - 609) للميلاد، ثم إنّ هذا الوصف الدقيق لعين الزارة وخروجها من هضبة صخرية دليل قوي على أنه شاهدها مشاهدة ذاتية، ووقف عليها بجسده الشريف، فصلوات الله وسلامه على سيدنا وحبيبنا محمد وآله، فهذا الوصف الدقيق الذي قاله عن عين الزارة قد أعطانا العلامة الفارقة الدالة عليها بعد أكثر من أربعة عشر قرناً.

 عَيْنُ الزَّارَةِ يُمْكنُ أنْ تَكْشِفَ عَنْ مَوْقعِ مَدِيْنَةِ الزَّارَة

لقد سررت كثيراً عندما أخبرني الصديق الباحث الأستاذ نزار العبد الجبار عن نية وكالة الآثار السعودية ممثلة في فرعها بالمنطقة الشرقية في القيام بعملية تنقيب للكشف عن أساسات سور مدينة الزارة العتيدة على يد نخبة من أبناء الوطن الذين أصبح لديهم خبرة لا يستهان بها من موظفي وكالة الآثار، وإنني هنا أتقدم بالشكر لهذا الفرع النشط لوكالة الآثار بالمنطقة الشرقية، والذي اكتشف الكثير من الآثار الرائعة، وأروعها قبر الأميرة بتل وليد الزاير بثاج الذي سلم من يد لصوص المقابر ليكشف عنه هؤلاء الفتية بكامل مصاغاته الذهبية من قناع الوجه والأسورة والقلائد والحلق والكساء بالإضافة إلى السرير الجنائزي الجميل ذي النقوش الطقوسية الأخاذة.

وأود بهذه المناسبة أن أوجه بعض المرئيات الخاصة بي، والتي لن يضرّ أعضاء الفريق المنقب الأخذ بها، وذلك أنه لا شك لدي أنّ هذه العين المعروفة الآن بعين الحريف، وقديماً باسم عين الزارة كان ماؤها يصل إلى مدينة الزارة عبر قناة مائية مطمورة تحت الأرض كما قلتُ في أول البحث؛ بحيث تدخل هذه القناة للمدينة، وتتقاطع مع سورها، ثم تمرُّ أسفل منه، وإن القيام بحفر مجس أو خندق هلالي عميق بعض الشيء شمال العين مباشرة بحيث يغطي كامل جهتها الشمالية وجزءاً من كلا الجهتين الشمالية الشرقية والشمالية الغربية كفيلٌ بأن يوصل إلى هذه القناة المطمورة الخارجة من العين مباشرة، ومن ثم ينبغي تتبع هذه القناة المتجهة صوب المدينة، والسير معها، ولا شك حينها أننا سنصل إلى نقطة تقاطعها مع سور المدينة المطمور هو الآخر، وبالتالي يتم الكشف عنه بإذن الله.

 عَيْنُ الزَّارَةِ وَمَسْئوْلَيّةُ المُحَافَظَةِ عَلَيْهَا

أخيراً وكما أوضحنا قبل قليل فإن هذه العين لا زالت موجودة حتى اليوم ولكن انخفض منسوب مياهها فلم تعد تجري، ويستخرج أصحاب البساتين المحيطة بها مياهها بواسطة المضخات الآلية لري بساتينهم، وتقع هذه العين الآن في الركن الشمالي الغربي مباشرة لمركز فقر الدم المنجلي لا يفصل بينهما سوى شارع بعرض خمسة أمتار فقط، وقد تم حفظها ولله الحمد بسور مبني من الطوب والإسمنت عليه باب يمكن قفله على العين، وصُبَّت الأرض المحيطة بها بالأسمنت، ولكن هل يكفي ذلك لإحياء هذه العين العظيمة؟! في اعتقادي إنه لا يكفي؛ فقد أدى إهمالها كغيرها من عيون القطيف الكثيرة إلى رمي بعض أصحاب البساتين المحيطة بها لمخلفاتهم فيها، وكذلك يفعل الكثير من الصبية الذين يقصدون العين، وكان الأولى بفرع مشروع الري والصرف بالقطيف لو أنه قام بتنظيف هذه العين وغيرها من العيون القديمة في القطيف وهيأ لها بركاً للاستحمام أسوة بعيون شقيقتها واحة الأحساء، ولا سيما هذه العين التي تشرفت بوقوف النبي  عليها، فهي تستحق أن تلقى مزيداً من العناية والتنظيف والتعميق إن لزم الأمر، وكذلك بناء بركة لها للاستحمام لأن موقعها من المواقع الجميلة بالفعل في واحة القطيف، فإن لم يفعل فرع مشروع الري والصرف بالمنطقة ذلك، فيجب على أمانة محافظة القطيف القيام به، وإن لم تفعل الأمانة ذلك، فلا أقل من أن يهتم بالأمر بعض الغيورين من أهالي القطيف الذين أنعم الله عليهم بنعمه الكثيرة لإحياء هذه العين والمحافظة عليها وجعلها معلماً سياحياً لبلدهم، وأنعم بها من معلم تشرف بوقوف سيد الخلق عنده وشرب من ماءه.

[1]  فتوح البلدان ج1: 103 - 104 نقلا عن مكتبة أهل البيت (CD).
[2]  سبق ونشرت بحثاً عن السابون انتهيت فيه إلى أنها تقع شمال القطيف، ورجحت أنها قد تكون السفانية الآن، والبحث نُشر في شبكة راصد.
[3]  يُعرف موضعها الآن باسم الغُبَيْبة تصغير غابة، وهي تقع شمال غرب صفواء، وشمال شرق أم الساهك، وهي موضع مرتفع به عيون وآثار واضحة، ويمر بها الطريق السريع الذي يربط بين الظهران والجبيل، وبسبب ارتفاعه، فقد كان مفضلاً للسكن من قبل العجم كما هو واضح من هذا النص.
[4]  انظر الخريطة المرفقة.
[5]  فضائل الصحابة ج2: 829 طبعة مؤسسة الرسالة - بيروت الحديث رقم (1514).
[6]  لقد سبب ذلك ربكة لدى بعض الباحثين فحاولوا أنْ يوهمونا بأنّ المشقر حصن هجر الشهير، والواقع الآن في واحة الأحساء كان يقع قريباً من الزارة، ونسي هؤلاء أنّ من أشهر صفات المشقر أنه كان يقع على تلٍّ عالٍ، وأنه كان في أعلى هذا التل بئرٌ محفورة تخترق التل إلى أن تصل إلى الأرض ثم تذهب فيها، ولو فتش هؤلاء كل واحة القطيف لما وجدوا تلاً بمثل هذه الصورة؛ نعم يوجد هذا التل في واحة الأحساء، وهو تل راس القارة وسط قرية القارة، والذي أثبت في كتابي هجر وقصباتها الثلاث أنه هو التل الذي كان يقوم عليه المشقر.
[7]  سجلت هذا الاكتشاف في كتابي «هجر وقصباتها الثلاث» المطبوع في بيروت عام 1425هـ 2004م.
[8]  انظر كتاب المعرفة والتاريخ الصفحة 131.
[9]  أي جنس الحجر أو نوعه.
[10]  سُميَتْ بذلك نسبة إلى الموضع الذي تقع فيه، والمعروف بالحُريف، والذي نُسبت إليه العين أيضاً كما نُسب إليه قرية وتلٌّ صخري عُرف عند الأهالي باسم «جبل الحُريف» وقد نُسف هذا التلُّ بالديناميت عام 1369هـ ليستفاد من صخوره في ردم الطريق بين حاضرة القطيف وجزيرة تاروت؟!!، وكان هذا التلُّ عبارة عن كتلتين من الصخر يشقهما طريق ضيق يوصل إلى العوامية، وموضع هذا التل بالتحديد هو المكان الذي تقوم فيه الآن محطة محروقات الغانم الواقعة على طريق العوامية والورش المقابلة لها إلى الجنوب من هذه البرية المعنية هنا بمئتي مترٍ تقريباً، وأما ما ذهب إليه بعضُ الباحثين كالأستاذ الفاضل علي الدرورة في كتابه «الحريف إحدى قرى القطيف البائدة» من أنَّ هذه الهضبة الموجودة في برية الحريف، والتي سنتحدث عنها لاحقاً هي التي كان يقوم عليها جبل الحُريف، فهو غير صحيح، وإنما الصحيح ما قلناه «انظر الخريطة المرفقة أيضاً».
[11]  انظر أخبار الريان النكري في تاريخ خليفة بن خياط، الصفحة 214، وأنساب الأشراف للبلاذري.
[12]  كانت تُعرف حتى وقت قريب باسم (طابه)، والتي ذكر لوريمر في دليل الخليج أنها كانت تقع بين جبل المدرع الشمالي وبين النابية الواحة الواقعة غرب سيهات، وهي عبارة عن واحة بها عين ماء وآثار سكن قديم.
[13]  انظر الخريطة المرفقة مع البحث.
[14]  فصلت ذلك كله في شرح ديوان ابن المقرّب، وكتاب هجر وقصباتها الثلاث، فليراجعه من أراد.
[15]  السيرة النبوية لابن أسحاق القسم الأول ج1: 187 تحقيق: مصطفى السقا وصاحبيه انظر الحاشية رقم (1).
[16]  يمكن الرجوع هنا للمرزوقي في كتابه الأمكنة والأزمنة، فقد ذكر بالتفصيل أسواق العرب الشهيرة ومواضعها وأزمانها.
[17]  نص المبرد في الكامل على أن دارين سوق من أسواق العرب انظر ج1: 185 من طبعة دار الفكر العربي - بيروت.