ألبوم الصور
العلامة المرهون
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3155836
أثر النفط على منطقة القطيف
موسوعة الساحل - 6 / 12 / 2004م - 2:34 م


يعتبر اكتشاف البترول اعظم حدث في تاريخها، فقد نقلها فجاة الى حضارة القرن العشرين بعد ان كانت تعيش على هامش الحياة في القرون الوسطى، نائمة خلف ابواب اسوارها تغلقها ليلا وتفتحها نهارا، وفي حياة شبه انعزالية، لا تعرف عما يدور في العالم، وما يستجد فيه من حضارة ومدنية، بين طرقات ضيقة وسوابيط مظلمة ومستنقعات، لا تسمع في اجوائها الا نهيق الحمير ونباح الكلاب وابن اوى ونقيق الضفادع، وكانت على شفا جرف من الفقر المدقع لا سيما ايام الازمة التي اعقبت الحرب العالمية الاولى، وكانت افضل بلاد الخليج في ذلك العهد امارة البحرين، التي غشيها شيئ من بصيص الحضارة الحديثة، بحكم مركزها التجاري وانفتاحها على العالم، حيث دخلتها الكهرباء، ووسائل الترفيه ومعالم الثقافة، فكانت الرئة الوحيدة التي يتنفس بها اهالي الخليج، قبل ان يتعرفوا على اي بلد من بلدان العالم.

ثم حدثت المعجزة حين انتشرت شائعات قوية مؤكدة على مشاهدة بقع من النفط على سطح الاراضي في واحة القطيف، الامر الذي دفع شركات البترول الى التسابق في الحصول على امتياز التنقيب في اراضيها، واستطاعت النقابة الشرقية الانجليزية ان تمسك زمام المبادرة، فانتدبت الميجر هيلمز سنة 1923م ليفاوض جلالة المرحوم الملك عبد العزيز فتوصل معه الى اتفاق، منح بموجبه حق الامتياز والاستثمار للنقابة الشرقية في شهر مايو 1923م الا ان النقابة تخلت عنها لعجزها عن مواصلة الحفر وعدم تمكنها من بيع الامتياز، فالغيت الاتفاقية عام 1928م وبعدها تقدمت عدد من الشركات للحصول على الامتياز، فحصلت سوكال الامريكية (استندرد اويل اف كاليفورنيا) على قصب السبق، فمنحت امتياز حق التنقيب والانتاج، وتم الاتفاق في 29 مايو 1933م / 4 صفر 1352هـ، ثم تنازلت عن بعض اسهمها لشركات امريكية اخرى، لحاجتها الى المزيد من الاموال الضخمة لانفاقها في هذا المشروع، فباعت لشركة اكسون 30% وتكساكو 30% وموبيل 10% واحتفظت لنفسها من الاسهم بـ 30%، وبموجب هذا التقسيم تغير اسم الشركة الى (ارامكو)، اي شركة الزيت العربية الامريكية.

وقد بدات اعمال المسح والتنقيب بعد وصول الجيولوجيين الى جبل الظهران عن طريق الجبيل في 28 سبتمبر 1933م اعقبهم وصول الحفارين في بداية ديسمبر 1934م، ولم تكن التنقيبات في اول الامر مشجعة بعد حفر عشرة ابار، الا ان البئر رقم 7 التي راوا زيادة عمقها، والتي تفجر منها الزيت بكميات تجارية على عمق 4727 قدما، كانت نقطة التحول في مستقبل الشركة وحياة المنطقة، واستمر التنقيب، فاكتشفت عدة حقول في منطقة الامتياز، فكان اكبرها حقل الغوار وبقيق والسفانية والقطيف.

لم يكن احد يتخيل ان هذه المنطقة التي كانت تعيش على هامش القرون الوسطى ان تصبح قبلة العالم الاقتصادية، فتعج بالوافدين من كل حدب وصوب، فتتغير اوضاعها راسا على عقب، فتكتحل عيون ساكنيها لاول مرة بالكهرباء، وتشق اراضيها خطوط الاسفلت، وتقوم فيها المدن الحديثة الحافلة بالمباني والعمارات والفلات الانيقة، وتدوي في افاقها محركات السيارات والمعامل والمصانع، وتتوفر فيها وسائل المواصلات من مطارات وقطارات واتصالات سلكية ولا سلكية، حتى اصبحت تفوق كثير من البلاد التي سبقتها في هذا المجال، فكان لاكتشاف البترول الاثر الكبير على تطور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية وتحسن الصحة العامة والنتشار التعليم، وقد شاءت العناية الالهية ان تتدارها، بعد ان تهاوت الاعمدة التي ترتكز عليها حياتها الاقتصادية واحدا تلو الاخر.

لقد كان بناء هيكلها الاقتصادي سابقا يقوم على ثلاث دعائم رئيسية هي : التجارة والغوص والزراعة، فانهارت الدعامة الاولى وهي التجارة، منذ ان بدات تفقد مركزها الاستراتيجي، كهمزة وصل بين تجارة الشرق والغرب، وذلك بعد اكتشاف راس الرجاء الصالح، ثم فتح قناة السويس حيث تحولت طرق التجارة العالمية عنها الى غيرها، واقتصرت موانيها على التجارة المحلية للمنطقة، ثم تقلصت اخيرا بعد ان نشات مدينة الدمام، وتم بناء ميناء الملك عبد العزيز الذي استقطب النشاط التجاري وحركة الاستيراد والتصدير.

وبعد الحرب العالمية الاولى بدات الدعامة الثانية وهي مهنة الغوص تنهار هي الاخرى، منذ ان نجحت زراعة اللؤلؤ الصناعي في اليابان، فادت كثرة نتاجه الى هبوط اقيام اللؤلؤ الطبيعي وكساده في الاسواق العالمية، فتضاءلت موارد الغوص التي كانت تدر الملايين على تجار اللؤلؤ والعاملين في هذه المهنة، حتى ادت النتيجة الى خسائر فادحةللتجار والممولين، والى تفشي البطالة في صفوف اليد العاملة فيه وانتهى الامر الى العزوف عن هذه المهنة والتحاق اكثريتهم في اعمال صناعة البترول.

وصمدت الزراعة، وهي المورد الثالث بعض الوقت، حتى بعد الحرب العالمية الثانية وكان انتاج التمور يشكل اهم مورد اقتصادي للبلاد، حيث كان يصدر منها الى الهند وبلاد الخليج كميات كبيرة، الا انها بعد اكتشاف البترول وتحسن مستوى المعيشة عند سكان الخليج بصورة عامة... تضاءلت اهميتها حتى انتهى بها الامر الى العزوف عن استيرادها واستهلاكها، وزاد الطين بلة ان تنامي اعمال صناعة البترولادى الى امتصاص اليد العاملة في الفلاحة، فارتفعت الاجور في الوقت الذي تدهورت فيه اقيام التمور واصبحت لا تغطي تكلفة الانتاج، بالاضافة الى نضوب اكثرية العيون القديمة، وادت النتيجة الى اهمال النخيل ودمار تلك الثروة الزراعية العريقة التي لا تعوض.

واذا كان لاكتشاف البترول ايجابياته، كتوفر فرص العمل ورفع مستوى المعيشة وتطور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والصحية والتعليمية فانه له سلبياته كتدهور الصناعة المحلية والمهن التقليدية وهجر الزراعة وكساد التمور واستنزاف المياه الجوفية وانهاء دور المدن القديمة كحواضر رئيسية، ثم ماذا يكون في المستقبل بعد نفاذ هذا الكنز؟ هل تعود عجلة التاريخ الى الوراء ويعود السكان الى اعمالهم التقليدية: الى تجارة بائرة وغوص كاسد وزراعة مصحرة؟ هذا ما يخبؤه المستقبل الا ان تتداركهم عناية الله.

واحة على ضفاف الخليج / محمد سعيد المسلم