ألبوم الصور
القطيف عام 1975
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3155836
أبو لوزة: حمّام حفره الكنعانيون وبناه العثمانيون.. وأهملته الآثار
صحيفة الوطن - « القطيف: فوزان آل يتيم » - 15 / 8 / 2009م - 6:00 ص
الحمّام من الخارج وتظهر التصدعات في قبته وجدرانه
الحمّام من الخارج وتظهر التصدعات في قبته وجدرانه

حفره الكنعانيون، وبناه العثمانيون، وحين وصل إلينا تحوّل إلى مجرد أثر من الآثار، ليس إلا.

والقصة المحيطة بـ "حمّام أبو لوزة" يُمكن أن تكون نسخة مشابهة لمئات القصص في محافظة القطيف، حيث تختفي آثار العيون الجوفية عاماً بعد عام، وتختفي حتى مواقعها، وتسقط صورها من الذاكرة الشعبية، بما فيها من تفاصيل حميمة، ومفردات متصلة بحياة الواحات المترامية في محيط المحافظة الساحلية..!

وفي الوقت الذي تتسع دائرة الاهتمام بالآثار التاريخية؛ وتتحرك الخطوات بوضوح نحو رصدها والعناية بها؛ يبقى حمّام "أبو لوزة" في قائمة انتظار بطيئة تتسارع بمقابلها تصدّعات بدأت تظهر على جدران المبنى الذي يعود تاريخ إنشائه إلى أكثر من ثلاثة قرون..!

مصير العيون

حمّام "أبو لوزة" مرشـّح لمصير مساو ٍ لمصير "الخضيرة" و"الجويهرية"و"المنصوري"و "ساداس"و "الغرى"و"المحارق" و"الطيبة"و"أم اجْديّر"و "الكعيبي"و"الصدرية"و "الشرابية" وقائمة طويلة من العيون الجوفية التي يعود وجودها إلى مراحل تاريخية سبقت التاريخ الميلادي بكثير، حسبما يُجمع عليه مؤرخو منطقة الخليج العربي.

وكما بدأت مشكلة "حمّام تاروت"؛ فإن حمّام "أبو لوزة"؛ بدأ يُواجه المشكلة ذاتها، بوجود تصدّعات في جدران مبناه الذي يعود إلى العصر العثمانيّ، في الوقت الذي تفرض القيمة التاريخية والأثرية إجراءات أكثر حرصاً للحفاظ على واحد من أهمّ معالم القطيف الأثرية الباقية.

وفي الوقت الراهن؛ فإن المبنى يقع تحت مسؤولية هيئة الآثار والسياحة التي أحاطته بسياج سلكي، وأقفلته، وأوكلت مهمة الإشراف عليه إلى متطوّع من أهالي المنطقة تكفـّل بالعناية به. وهذا الأخير واحد من شهود العيان الذين يراقبون ما يحدث في المبنى التاريخيّ من دون أن يتمكن من تحريك ساكن يمكن أن يؤثر فيما يجري.

وضع خاص

حتى خمسينيات القرن الماضي؛ حمل الحمّام وضعاً خاصاً بين مئات العيون الجوفية المنتشرة في القطيف. مياهه المعدنية اجتذبت الكثيرين من الباحثين عن الاستشفاء الطبيعي. وإلى جانب هذه الميزة حمل الحمّام رمزية خاصة لها صلة بالنظام الطبقي الذي كان سائداً حتى قبل عصر النفط.

وحين احتل العثمانيون منطقة القطيف ضمن هيمنتهم التي شملت مناطق خليجية كثيرة؛ لم يكن في الموقع غير عين تتدفق منها مياه مختلفة عن بقية العيون الجوفية، فاستأثر بها الحكام التابعون للدولة العثمانية، وبنوا عليها حمّاماً ذا قبّة مشابهة لثمرة اللوز المحلية. وهذا الشكل المعماريّ واحد من الاحتمالات المتصلة بتسمية الحمّام. لكن هناك شائعة أخرى تقول إن موقع الحمّام كان محاطاً بكثير من شجر اللوز؛ فظل الموقع على التسمية لهذا السبب.

واللوز المحلّي ليس اللوز المعروف في بلا الشام. اللوز المحلي شجرٌ تُسمّى الواحدة منها "قـُضْب"، وهي تنتج ثمرة بحجم جوزتين، وتؤكل مباشرة، ولها نواة تشكل ثلثي الثمرة. لكنّ الشكل العام للثمرة يُشبه اللوزة الشامية تقريباً.

الباحث التاريخي عبدالخالق الجنبي يُرجح الشكل المعماري الذي يُشبه إلى حد ما شكل اللوزة في تسمية الحمّام. ويشير إلى أن الحمّام كان جزءاً من اهتمام الطبقات الغنية في الزمن القديم الذين كانوا يقصدونه طيلة أوقات اليوم للسباحة والاستجمام، على الرغم من أن موقعه بعيد عن النطاق العمراني كثيراً، حيث يقع في منطقة زراعية غربيّ مدينة القطيف.

الذاكرة الشعبية تحتفظ للحمّام بالكثير من الذكريات. وفي الموروث الشعبي، في القطيف، أهازيج تغنّت بالموقع، وهو نوع الاهتمام انعكس على صورة الموقع، بوصفه موقعاً من آثار المحافظة الباقية.

زيارات محدودة

نجم آل حجي هو المتطوع الذي يتولّى الإشراف على الموقع، وقد تسلم مفاتيح باب السياج المحيط به من وزارة الآثار.

وهو يقول إن "جيل الشباب الحالي لا يعرفون شيئاً عن هذا المعلم، وبعضهم لا يعرفه في الأصل". مع ذلك ـ وحسبما يقول آل حجي ـ فإن "هناك زيارات للموقع تأتي من الرياض عن طريق شركة أرامكو السعودية و بعض السفارات الأجنبية في المملكة، فضلاً عن طلاب مدارس". ويُعرب آل حجي عن أسفه على الوضع الذي آل إليه مبنى الحمام "نخشى عليه من السقوط وهو بحاجة عاجلة إلى ترميم يُحافظ على قوة المبنى والطراز القديم الذي يتصف به".

وعن الطراز المعماري الذي يتصف به مبنى الحمام يقول آل حجي إنه ينقسم إلى قسمين "أحدهما خاص بالرجال وفيه "تنّور" الماء الذي كان ينبع منه الماء". أما القسم الآخر فهو "خاص بالنساء ومعزول عن قسم الرجال تماماً". ويضيف "هناك مكان خاص بتغيير الملابس له شرفات ومتكآت خاصة".

حفرة داخل حفرة

ويصف آل حجي العين التي يقع عليها مبنى الحمام فيقول "يقع المبنى كاملاً على عين جوفية يصل عمقها إلى 22 متراً، وكما هو تكوين العيون الجوفية في محافظة القطيف؛ فإن العين تتكوّن من حفرة عميقة نسبياً، ووسط هذه الحفرة هناك حفرة أعمق تُسمّى "التنور"، ووسط الحفرة الأعمق هناك حفرة أعمق، وهكذا وصولاً إلى القاع الذي تنبع منه المياه".

وهذه الطريقة في الحفر معروفة تاريخياً في منطقة الخليج العربي، وينسبها المؤرخون إلى القبائل الكنعانية التي استوطنت شرق الجزيرة العربية. وأغلب عيون محافظة القطيف محفورة بهذه الطريقة، وهو ما يُشير إلى أن الحفر تمّ بطرق يدوية وبدائية جداً. ويقول آل حجي إن مياه الحمّام لم تنضب إلا قبل 15 سنة فقط، وهذا يعني أنه تأخر عن سائر العيون التي نضبت في المحافظة. وقبل ذلك كان منسوب المياه في عين الحمام يصل إلى 3 أمتار.

ذكريات ومُطالبات

في محيط الحمّام سكان يحملون الكثير من الودّ للموقع التاريخي. يقول عدنان السادة إنه يشعر بالضجر كلما مرّ بالحمّام وشاهد الوضع المزري الذي يرزح تحته، إنه "جزء من تاريخ المحافظة". إنه "يتهاوى شيئاً فشيئاً ومصير ذلك هو الاختفاء مثلما اختفت العيون الجوفية".

أما عبدالله آل سهوان "60عاماً" الذي حافظ سنوات طويلة على عادة الاستحمام في الحمّام؛ فإنه يؤكد خشيته من تطور التصدعات الحالية وسقوط الجدران. "في السابق كان الحمّام للاستشفاء والاستجمام، الناس كانوا يتزاحمون فيه، يأتون في كل الأوقات، وفي الليل يأتون حاملين مصابيح الغازولين أو السراجات البدائية". أما اليوم "فالمكان صامت، والماء توقف، والمبنى يتصدّع ولا أحد يهتم".

ويلوم المعلم المتقاعد عبدالأمير علي السويعي الجهات المسؤولة عن الآثار، ويطالبها بأن "تتحرك سريعاً من أجل إنقاذ الحمام.. الجميع يشعر بالقلق تجاهه ويخشى سقوطه في أي لحظة بسبب الوضع الذي يعيشه اليوم". ويضيف "أنه جزء من ذاكرة المنطقة الشرقية وواحد من معالمها، ويجب الحفاظ عليه ليتعرف الجيل الجديد عليه بوصفه جزءاً من تاريخ الآباء والأجداد".

ويبدي موظف أرامكو عمر الخميس أسفه وهو يرى الحمام قد وصل إلى ما وصل إليه بعد أن كان يعتبر أحد مرتادي هذا الحمام للسباحة في السابق بينما لا يستطيع اليوم الدخول إليه. ومثله عبدالصمد الفردان الذي يزور الموقع بين فترة وأخرى برفقة أطفاله.. "نتمنى من الجهات المعنية أن تسارع إلى إنقاذ الموقع الأثر قبل سقوطه أسوة ببعض الآثار التاريخية التي حظيت بالترميم مثل قلعة جزيرة تاروت".