ألبوم الصور
باعة التمر
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3155836
شاعر الخليج: الشيخ جعفر الخطي «أبو البحر»
واحة القطيف - « العنقود » - 24 / 4 / 2004م - 2:11 ص



كان للشعر مذاق خاص خاصة في الخليج العربي من التفوق والإجادة منذ طرفة بن العبد وأخته, إلى علي بن المقرب الأحسائي, إلى من ظلوا على طول العصور حتى هذا العصر, شعراء من أحب الشعراء إلى قلوبنا وأقربهم إلى نفوسنا.

ومن خير ما اختصهم به الله في شعرهم هو هذا الوفاء لأرضهم والحنين لبلدهم والتشوق لمولدهم, ولعل إرادة الله شاءت أن تمنحهم بالنزوح عن الأوطان والهجرة إلى شتى البلدان, لا لشر أريد بهم بل لخير أريد بشعرهم, فكان لنا منه ذخيرة من اللوعة والوجد واللهفة, تدفقت شعراً رقيقاً وقصائد صافية تلذ للسامع وتطيب القارئ.

فمنذ أنشد طرفة بن العبد:


لخولة إطلال ببرقة تهمد •  تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقوفا بها صحبي على مطيهم •  يقولون لا تهلك أسى وتجلد


وأنشد قبله عمرو بن قميئة:


إلى دار قوم حسان الوجوه •  عظام القباب طوال العوالي
فوجهتهن إلى مهمه •  قليل الوغى غيرت صوت الرئال
سراعا ذرائب ما ينثنين         •  حتى احتللن بحي حلال
بسعد بن ثعلبة الاكرمين     •  أهل الفضائل أهل النوال


منذ أولئك وغيرهم توالى الإنشاد تغنيا بالخليج وتمدحا بظلاله وحنينا إلى نخيله وتشوقاً إلى شطوطه, فأنشد علي بن مقرب الأحسائي:


يا حبذا وادي ((الأحساء)) وانه  •  لو ساءني واد إلي محبب
بل حبذا ((درب الثليم)) وحبذا •  ذاك القطين به وذاك الملعب


ثم انشد علي شبانه:


وإلى ((أوال )) تروع قلبي كلما •  سرت الصبا من تلكم الساحات
وإلى نواحي أرضها وربوعها  •  ولما بها قد مر من أوقات
وعراصها الفيح التي قد طرزت •  أطرافها ببواسق النخلات

 

ثم أنشد على التاروتي:


سمعا مهفهفة((الهفوف)) من ((هجر))  •  أنغمة الصوت ذا ام رنة الوتر
وذا الذي عطر الآفاق فائحة  •  ترديد نفسك ذا أم نفحة العطر


ثم قال الشيخ عبد الحميد الخطي "قده":


قالوا القطيف قلت غاية قصدنا •  الق المراسي أيها الربان
السفن أسراب تروح وتغتدي  •  نوعان ذا وان وذا عجلان
والشرع خافقة الشعاع كأنما  •  نفضت جناحا من الفضا العقبان
يا حسنة من منظر خلب النهى  •  يعيا برسم جماله الفنان
ما عادني ذكر الشطوط وطيفها  •  إلا وعاد فؤادي الخفقان


فهل ترى أرضاً عربية ذكرها أهلها وغنى شعراؤها بمثل ما فعل أهل الخليج بخليجهم حبن أنشدوا في حنينهم شعراً تفجره وطنيتهم, ويبعثه وفاؤهم, معبرين عما في الخليج من المعيات وأريحيات, وممثلين طيب أرضه وصفاء سمائه وسؤدد أبنائه.

هكذا نرى الخليج على أفواه الشعراء في كل العصور تغماً عذباً وشدوا رقيقاً,خالداً ذكره خلود الأدب دائراًً اسمه في الناس ما دار الشعر وجال النثر.

وهذا واحد من شعراء الخليج. بل هذا شاعر الخليج في عصره، هو أبو البحر الشيخ جعفر بن محمد بن حسن بن ناصر بن عبد الامام الخطي، ويرجع نسبه إلى بني عبد القيس، ولد بالتوبي، وقد برزت شخصيته كشاعر كبير يشار إليه بالبنان، وصارت له مكانة مرموقة في الاوساط الاجتماعية والسياسة في عصره، وكان من جملة من غادرو القطيف من الشخصيات تبرما من الاوضاع التي سادت في العصر التركي، وأدت إلى ثورات أهلية، بالإضافة إلى النعرة الطائفية التي أثارها حكام الاتراك بسبب توتر العلاقات بينهم وبين الدولة الصفوية، فغادرها إلى البحرين، ثم انتدب ضمن وفد إلى ايران، فمر بشيراز، وهناك اجتمع بالشيخ بهاء الدين العاملي الذي أعجب به، وجرت بينهما مساجلات شعرية، ثم ذهب إلى اصفهان لمقابلة الشاه فاخبره بأنه في اقليم الكرج، فذهب اليه واجتمع به في مدينة شماخة، ولم يعرف ماذا تم في المقابلة، وبعد ذلك ألقى عصا الترحال في شيراز، وبها توفي عام 1029هـ

لقد عاش بين القطيف والبحرين ثم سافر إلى اصفهان حيث كان النابغة العربي بهاء الدين محمد العاملي الذي جمع إلى الحكمة والعلم , والشعر والأدب,وقد كان لقاء العلمين في اصفهان مجالا لتساجلهما بالشعر, فعارض الخطي قصيدة العاملي التي مطلعها:


سرى البرق إلى نجد فهيج تذكاري •  عهوداً بحزوى والعذيب وذي قار

فقال الخطي:


هي الدار تستسقيك مدمعك الجاري •  فسقيا ,فأجدى الدمع ما كان للدار


وفيها يحن إلى الخليج:


اموسم لذاتي وسوق مآربي •  ومجني لباناتي ومنهب أوطاري
سقتك برغم المحل اخلاف مزنة •  تلف إذا جاشت سهولا بأوعار


وتشاء الأقدار أن تنتهي حياة الشاعر في ايران فيموت بعيدا عن الخليج وأرضه. تلك الأرض التي طالما تغني بها واشتاقها.

أجمل شعر الخطي وأخلده هو ما كان صدى لعواطفه ومظهرا لحنينه, ففيما عدا الشعر التقليدي الذي عرفه كل الشعراء في تلك الفترات, فإن الخطي نظم في الحنين إلى القطيف حين هجرها إلى البحرين, ثم في الحنين إلى كليهما حين رحل إلى إيران. وهو في كل ذلك يذكر الأماكن ويتشوق إلى المنازل:


هلا سألت الربع من "سيهات"  •  عن تلكم الفتيان والفتيات
ومجر ارسان الجياد كانها •  فوق الصعيد مسارب الحيات
ومجدفات السفن ادنى برها  •  من بحرها مبارك الهجمات
حيث المسامع لا تكاد تفيق من  •  ترجيع نوتي وصوت حداة
إن "القطيف" وإن كلفت بحبها  •  وعلت على استيطانها زفراتي
اذ حيث جزت رأيت فيها مدرجي  •  طفلاً واترابي بها ولداتي
لأجل ملتمسي وغاية منيتي •  اني اقيم بتلكم الساحات
فسقى الغمام إذا تحلب ركبه  •  تلك الرحاب الفيح العرصات
واجتازت المزن العشار فطبقت  •  بالسقي من "عتك" إلى "نبكات"


وهكذا فإن "سيهات وعتك ونبكات" هي مطمح انظاره ومثار هواه, ومرابع الخليج وما فيها من حياة بحرية برية تلتقي فيها اصوات الحداة بأصداء النوتيه, وتمتزج مجاديف السفن بأرسان الخيل, ان حياة الخليج هذه يشغف بها شاعر الخليج فيصورها لنا ويحدثنا عنها فنرى في شعره صورة وطنه.

ولا عجب ففي الخليج درج طفلا, وجال يافعاً وشاباً بين الأتراب واللدات كما يحدثنا هو في هذا الشعر الذي نحس انه شعر" حليجي " بكل ما في الخليج من طبيعة وإحياء وحياة.

وإذا كان هو في البحرين يحن إلى بلده الأول القطيف, فكيف به وقد نأى عن كليهما ونزح عن الخليج وبعد عن "مجدفات سفنه" و "مجر ارسان خيله" وحل بشيراز سنة 1012هجرية.

إن جواه في هذا ليطول ووجده ليثور فيقول:


يا هل ترون لنازح قذفت به  •  أيدي البعاد "لجد حفص" ايابا
لا احسب "البحرين" إني بعدها  •  متبوئ داراً ولا أصحابا
ما اصبحت " شيراز" وهي حبيبة  •  عندي بأبهج من أوال "جنابا"


ولكن البحرين ليست وحدها الآن هي التي تشوقه فهو موزع الفؤاد في الخليج كله,فإذا ذكر البحرين تداعى الحنين عليه كل جانب, فالقطيف قبل البحرين كانت مدارج صباه وملاعب هواه,انه لم ينسها وهو في البحرين غير بعيد عنها, أينساها وقد شطت دارها وبعد مزارها:


يا ساكني "الخط" قلبي لكم خطط •  معمورة بمعانيكم مغانيها
يا هل ترون لمحني الضلوع على  •  ذكر الديار وقوفاً في محانيها
ماذا على الطير إذا أبلى الضفا جسدي  •  فخف لو حملتني في خوافيها
ان يقعد الطير عن حملي لكم وسرت  •  ريح الصبا فاطلبوني في مساريها

 

فهكذا يتداوله الشوق من القطيف إلى البحرين إلى أفياء الخليج من حيث امتدت تلك الافياء:


عج بالمطي على معالم (بوري)  •  لمحل لذاتي وربع سروري
لم تجعل العبرات خدي معبرا  •  الا على مري بها وعبوري
هل لي تلك المنازل عودة  •  يخبو بها وجدي وفرط زفيري
يا من اسير كل يوم نحوهم  •  كتبي اذا اعيا على مسيري
آه وقل على "أوال" تأوهي  •  فإذا بها فغير كثير
هيهات ما "شيراز" وافية بما  •  في تلك لي من نعمة وحبور

يظل يتشوق ويتأوه:


حمامات شيراز رفقا بنا •  لهجتن بالنوح ما عندنا
الا قل لسامن (وادي المحمل)  •  هل ورودا في الهوى وردنا
فيا هل علمتم وانتم هناك  •  ما عندنا فيكم هاهنا
فيا صاحبي والفتى ربما  •  احال على خله ما عنا
لسكان (طهر منى) من "أوال"  •  أول مطلبنا والمنى
الا رب قوم اباحوا لنا  •  من الوصل اطيب ما يجتنى
وفيهم من الحسن ما فيهم  •  فلم نر ذلك مستحسنا
يريدون سلواننا عنكم  •  وإن كان ذلك لم يسلنا
فلا تنكرن علينا الرحيل  •  غداة نأى الركب عنكم بنا
فالبرغم ان يستقل المحب •  عمن يحب وان يظعنا


هذه ملامح من شعر شاعر الخليج الشيخ جعفر الخطي كان فيها وفيا للخليج براً به . وهذا الشاعر لا تقوم بالتعريف به هذه الصفحات القليلة ولكنها إذا استطاعت ان تدل عليه وتشير إليه فحسبها ذلك.

المصدر:
دولة الموحدين الإسلامية