ألبوم الصور
تشييع الفقيد العلامة المرهون
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3332795
صناعة المديد تندثر ووجودها حكر على المهرجانات
عبير جابر - « الشرق الأوسط » - 28 / 10 / 2005م - 9:22 ص

تنسجها الأيادي السمراء وينافسها الموكيت والسجاد

تسحب اليدان السمراوتان برشاقة عيدان «الأسل» وتصفها بمهارة الوحدة تلو الأخرى في قطعة «المديد». يتسلل الضوء الخافت من أرجاء المكان لينعكس على الشرايين النافرة من المعصم، وينسل منه الى العيدان المتراصة مشكلة لوحة جمالية نسجها أحمد عبد الله بو خليل لتتحول الى مديد يستحق أن يحتل مكانه في أي منزل. وقطعة المديد هي نوع من الحصر التي تفرش على الأرض وكان المديد يستخدم في فرش المنازل والمساجد، لكن ما يجري اليوم أن السجاد والموكيت ينافسانها وكادا يقضيان عليها.

لكن ما يأسف له الجميع ومن بينهم بوخليل أن هذه الحرفة التي اشتهرت بها القطيف على مر السنين تسير الى الانقراض. «في القطيف لا أحد يعمل بهذه المهنة غيري» يقول بو خليل موضحاً أن هناك «في الأحساء بعض الممارسين لهذه المهنة لكنهم قلة». ومن وجهة نظره فإن «الحرفة قد تتعرض للإنقراض ولولا المهرجانات التي تحييها كما في مثل هذه النشاطات لاندثرت منذ زمن».

التقيناه في المهرجان الرمضاني الذي نظمته جميعة القطيف الخيرية أخيرا، حيث كان يعمل على صناعة قطع المديد بخفة تلفت أنظار الزوار. ويتوقف الكثيرون ليسألونه عن هذه المهنة «هناك أشخاص كثر خاصة من الجيل الجديد لا يعرفون المديد لأن السجاد والموكيت حلا محله في المنازل الحديثة، لذا يسألونني عنها وأشرح لهم ماهيتها، لكن الكبار يعرفون المديد لأنه كان يزين منازلهم».

كان عمر العم أحمد 10 سنوات عندما بدأ يتعلم الحرفة من والده «لكنني اليوم لا أمارسها إلا في المهرجانات». وهو لا يعتمد عليها في القيام بالمتطلبات المالية لعائلته «أنا أعمل في هذه الحرفة بشكل موسمي وهي ليست مهنتي الأساسية لأنها مهنة لا يمكن العيش من مردودها ولا يكثر الطلب عليها كما في الماضي« يقول العم أحمد، حتى أن أحداً من أولاده »لم يتعلم المهنة، يساعدونني لكنهم لا يتعلمون ممارسة هذه الصناعة». ويعود السبب برأيه أن «إنجاز متر واحد يتطلب بين ثلاث الى أربع ساعات، ويباع المتر من المديد بمبلغ يتراوح بين 100 الى 130 ريالا».

معظم من يشتري المديد هم من الأجانب أو من المواطنين الذين ما زالوا يحافظون على بعض التقاليد والعادات القديمة «لكنهم نادرون» يؤكد بوخليل. ويكتفي صانع المديد بتسويق نتاج عمله »في المعارض والمهرجانات فقط كي نحافظ على الحرفة». وتعتبر صناعة المديد من الصناعات الزراعية القديمة التي مارسها الصناع في منطقة القطيف في فترة كان المجتمع القطيفي والإحسائي في حاجة ماسة لمثل هذه الصناعة التي تلبي الكثير من حاجات الفرد واستخداماته.

يصنع المديد من عيدان نبات الأسل وهو نوع من النباتات ينمو عادة حول تجمعات المياه وفي المستنقعات ويكثر في جداول المياه المنتشرة في مزارع منطقة القطيف وعادة ما يتمّ التخلص منه من قِبل المزارعين. ويميل لون «الأسل» إلى الأصفر والأخضر ويصل طوله إلى ثلاثة أقدام تقريباً. وتبدأ عملية صناعة المديد عندما يقوم الحرفيون بجمع نبات الأسل وجزه، ثم ينشره بالقرب من المستنقع ليجف ويصبح يابساً تحت أشعة الشمس لمدة تصل الى عشرين يوماً وفي خلال تلك الفترة يتحول لون الأسل من اللون الأصفر والأخضر إلى اللون الأبيض المصفر. وبعد ذلك يتم ربطه في حزم وتحمل إلى بيت الحرفي، ثم يوضع الأسل في مخازن خاصة به وفي كل يوم يخرج صانع المديد مقداراً معيناً حيث يقوم بنقعه في الماء ويأخذ منه الجيد ويرمي الرديء.

تستخدم في صناعة المديد آلة خشب يدوية بسيطة التركيب يدخل في تركيبها الألواح الخشبية والحبال تسمى «الحف» وعرضها أربعة أقدام ونصف تقريباً. وتوجد على طول الآلة ثقوب كثيرة، تتخللها حبال موضوعة بشكل طولى «الطول» ويمكن من خلالها التحكم في تماسك «المدة» ويقوم بهذا العمل شخصان، الصانع وشخص يقوم بمساعدته، وتمتاز «المدة» بقوة تماسكها وقدرتها على البقاء لفترة زمنية طويلة من غير أن تبلى وهي أكثر ما تكون صالحة للأجواء الحارة وذلك بفضل الفراغات الصغيرة التي تتخللها المدة.

يسحب بو خليل المدة شيئاً فشيئا تحت أقدامه، فتخرج القطعة من بين يديه متقنة، مزخرفة بطريقة تنم عن ذوق صانعها. وتكمل آلة «الحف» عملها معاونة العم أحمد على عمله ليبصر المديد النور مقاوماً الانقراض.