ألبوم الصور
القطيف في القرن السادس عشر
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3249982
العلاَّمة الكبير الشَّيخ علي آل عبد الجبَّار (قد)
محمد سعيد الخنيزي - 4 / 2 / 2004م - 7:21 ص

 

هُوَ : العلاَّمة الفقيه ، المجتهد الحجَّة ، المغفور له ، الشَّيخ عليّ بن الشَّيخ أحمد بن الشيخ حسين بن أحمد بن علي آل عبد الجبَّار .
ينحدرُ مِنْ أرومةٍ عريقةٍ فِيْ المجد ، لها جذورٌ ممتدَّةٌ فِيْ العلمِ ، وفِيْ الشَّرف الأسيل ، فأجدادُهُ حلقاتٌ علمية تتصلُ بعضُها ببعض ، والشَّيخ علي بن عبد الجبَّار ، هُوَ أحد المراجع الَّذي ثُنيت لهُ الوسادةَ فِيْ عصرهِ ، وخضعتْ لأوامرهِ الشَّخصيات الوطنية والسِّياسيَّة ، وفِيْ طليعتهم الزَّعيم الوطني مهدي نصر الله ، وقَدْ دارت بين هذا الزَّعيم الوطني والمرجع الكبير الشَّيخ علي بن عبد الجبَّار ، قصةٌ تاريخيَّةٌ وهي كالتالي:

الزعيم الشيخ علي بن عبد الجبار عايش الزعيم الوطني مهدي نصر الله ، فكان مهدي يجل الشيخ ، ويقـدره ، وبرهاننا على تقديره ما حدث معه من قصة يرويها المعاصرون ، وينقلونها جيلاً عن جيل ، وهذه القصة تُنبؤنا عن التدين ، والإلتزامية اللتين تعيشان في قلب الزعيم مهدي نصر الله - المتوفى عام الواحد والثمانين بعد المائتين والألف هجري على مهاجرها أفضل الصلاة والسـلام - وما أظهره مهدي في أسلوبه التعظيمي للزعيم الديني ، والمرجع الشيخ علي بن عبد الجبار .
فإن مهدي نصر الله ، درج على عادة خُلقية رفيعـة ، تفرض عليه المرور بالمرجع الديني ، الشيخ علي بن عبد الجبار في كل صباحٍ للسلامِ عليهِ ، وإذا ضاقت عليه الظروف العمليـة ، كان سلامه من خارج البيت .
وفي تطوافهِ السلامي في صباح يومٍ من الأيام ، مر لإلقائه السلام والتحية الاستمرارية ، لتقدير المرجع الديني الشيخ علي عبد الجبـار ، غير أن الشيخ علي بن عبد الجبار لم يبــادله الحديث كما عوده ، فشعر مهدي بموجة تنحصر وتتضايق في آفاق نفسه بتأثيرات لعلها نميت عنه للمرجع الديني .
فوجه علامة استفهام ، وتساؤلاً في خشوع وإجلال : لن أذهب من مكاني هذا ، حتى تَخبرني عن ماذا عملته تجاهـك ، وما سببُ إعراضك عنــي ، وما الذنب الذي جئت بـه ؟.
ففاجأه المرجع الشيخ علي ، بجواب في حروف ملتهبة كالبارود : إن فلان بن فلان الذي وليتهُ على الأوقاف ، وأخذ يأكل حاصلها لقمة سائغة ، باردة الظلال والأفياء ، يستند ويرتكز عمله على شخصيتك القوية ذات القوة والنفوذ ، ولولا أنت لما عمل ما عمل .
وكان منصب مهدي الوظيفي ، رئاسة بيت المال ، فانطوى على ألم للطَّابع الدِّيني المرتسم على نفسه ،  فالحروف الملتهبة الَّتي قذفها فمُ الشَّيخ علي عبد الجبار ، كان لها لهـبٌ ، وحماسٌ يتأججانِ في قلب مهدي نصرالله .
وحينما أخذ مقعده الوظيفي في دائرته الرسمية ، خطط له مخططا دقيقا يصل به إلى نهاية الشَّاطئ ، وبعمله يرضي الله ، ويخضع هذا المولّى إلى مظلة الشرع ، فطلب المولّى على الوقف ، وهو أحد كتابه في الدائرة من آل سنان ، وأصدر له أمراً بتقديم سجل يحتوي على جميع عقـارات بيت المال ،  فقدم له سجـلات تحمل أسماءها ، فقال له بلهجة فيها غضب وحزم : إن سجلاتك ناقصة .
فكرر مراجعته لها ، وأعاد عرضَها على رئيسه  مهـدي ، فقال لكاتبه : إنك أنقصت أسماء عدة نخيل ، ودرجَ أسماءهم في ورقة خارجة عن السجلات ، وطلب من الكاتب إضافة هذه النخيل ، في سجلات الدولة ، ففوجئ الكاتب بما لم يدر في حسبانه ، وامتقعت ألوانهُ ، وتلجلجت الكلماتُ وتلعثمت على شفتيه ، وبعد لحظات قال : إن هذه النخيل هي أوقاف لأهل الـبـيـت ، ولجهات خـيرية ، وولايتي عليها من العلامة الشيخ : علي عبد الجبار .
فكيف يسوغ لك يا أبا أحمد ، أن تدلي بهذه النخيل إلى بيت المال ؟!... اتقِ الله ، وخافه !.
فحانت الفرصة الذهبية الّتي تمكن مهدي من إنقاذ الوقـف ، وإعادته إلى سيرةِ ما وقف عليه ، ويُخضع هذا الولي الإسمي إلى المولّي الحقيقي ، فأجابه مهدي بكلمات  كشواظ النار : صحيح إن هذا وقف ، وحقيقة إنك مولى من يد العلامة الشيخ علي عبد الجبار ، وأن يدك عاريةٌ ؛ إذا كان كـذلك فلمـاذا تمردتَ على الولي الشرعي ، ورفضت تقديم سجل الحساب له ؟!.
فهنا لك خياران ، إما أن تخضعَ لمن ولاّك ، وتسير على نهج الطريق الشرعي ، وإلا سيضربُ على يدكَ ،  فخضع الكاتب ، وذهب من توِّهِ صاغرا للعلامة الشيخ علي بن عبد الجبار ، مستكيناً خاضعا لطلباته .


فهذا الزعيم الشيخ علي بن عبد الجبار تراث ضخم ، إلا أن الباحث لا يكاد أن يبصر في صفحات التاريخ إلا ظلالا باهتة ، وحياة مجدبة ، كأنه يسير في صحراء .. لا ماء فيها ولا كلأ ، لقد أشرنا في مقالاتٍ كثر وفي نداءاتٍ ضوئية ، عن هذه الظاهرة النفسية ( الحسد والإهمال) وبينهما ضاع التاريخ الماضي ، وتراكمت عليه جدران الزمن ، فأفقدتنا تلك الحلقات النيرة ، فخذ مثلا صاحب أنوار البدرين المعاصر للعلامة الشيخ / علي بن عبد الجبار ، لم يسجل تاريخ ميلاده ، ودور حياته التعليمية ، وزعامته المخصوصبة ، وعندما ترجع لأنوار البدرين ، لتقرأ ترجمة الشيخ علي بن عبد الجبار ، تجد كلماتٍ ( التقي – الأواب – العالم الفاضل ) إلى أمثال تلك الكلمات ، التي لا توصلك لحياة ذلك المترجم ، لتعيش معه على رفرف عصره ، فتؤب صادئ القلب في عتمةٍ دامسةٍ ، لا تكاد تبصر فيها بصيصا من النور ، وبرغم هذه العوامل القاسية ، فالشيخ علي بن عبد الجبار كان أقوى من هذه العوامل ، وبرغم مرور قرنٍ وما يزيد على ربع قرن على وفاته ، فذكره خالد كالجديدين .. حيث كان رحيله من هذه الدنيا الفانية ، عام سبعة وثمانين بعد المائتين والألف هجري ، الموافق عام سبعين بعد الثمانمائة والألف ميلادي ، ولعل الذي حفظ لنا هذا التاريخ ، المرثية التي فيه من معاصره العلامة بن طعان ، حيث سجل تاريخ الوفاة :

( غابَ بدرُ المجدِ ) ، ذا تاريخُهُ * باليومٍ فيْهِ ( بدرُ المجدِ غابْ )
أي عام 1287 هجرية

كما عُنيَ بالكتابةِ عنه فِيْ عصرِنا ، الزركلي للأعلام ، والعلاَّمة الشَّيخ عبد الله الخنيزي فِيْ « الحركاتِ الفكرية » ، وحقَّقَ أحد كتبهِ كثمرات الألباب ، وصدَّرهُ بترجمةٍ عَنْ حياتـهِ ، والعلاَّمة الشَّيخ فرج العمران فِيْ كتابـهِ الأزهار ، وفضيلة الشَّيـخ علـي المرهـون فِيْ كتابهِ شعراء القطيف ، وكتاب الدريعة ، ونذكرُ لهُ هنا ما ترك من ثروةٍ فكريةٍ ، وتراثٍ ضخمٍ :

1-  منظومةٌ كبيرةٌ في التوحيد ، ردَّ فيها على بعض معاصريه .
2-  منظومةٌ ثانيةٌ في التوحيد والأصول الخمسة ، متوسطةٌ – أيضًا .
3-  وله ثالثةٌ مختصرةٌ ، أيضًا .
4-  وله – أيضًا – رابعةٌ مختصرةٌ .
5-  منظومةٌ في تعداد سور القرآن المجيد ، وبعض أحكام القراءة والتجويد .
6-  رسالةٌ في الأصول الخمسة ، مبسوطةٌ جيَّدةٌ – أيضًا .
7-  وله ثانيةٌ متوسطةٌ ، أيضًا .
8-  وله ثالثةٌ مختصرةٌ .
9-  وله رابعةٌ مختصرةٌ .
10-  رسالةٌ دقيقةٌ ، في تحقيق : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء .
11-  رسالةٌ في عدم وجوب كون أجداد المعصوم لأُمِّه مسلمين .
12-  منسكٌ مختصر – كما ذُكر في الأنوار .
13-  كتاب الرد على النصارى .
14-  كتاب مختصر معاني الأخبار للصـدوق ( ر . هـ ) ، وله فيه تنبيهاتٌ جيَّدةٌ .

كما يقـال إنَّ لـه ديـوان شعـرٍ ، ولا نعـرف مـا لونُ هذا الشِّعْر ، ووزنهُ الفكري والثَّقافي ، وليتنا نقفُ عليهِ لنرى مِنْهُ كوَّةً تطلُّ على حياةِ هذا الزَّعيم . 
ونـوردُ لهُ هنا بعض الأبيات من قصيـدةً مِنْ قصائـدهِ ، يرثـي بها الإمام الحسين :

قلْ لِمَنْ يطلبُ المدامُ مدامًا : * يا مديمِ المُدامَ ! انفِ المدامَا
أنفَ العقلُ مِنْ سلافِكَ والدِّيـ * ـنُ ! أمَا آنَ أنْ تتوبَ لِزامَا ؟
يا مجدًّا على الجديدينِ يحدُوْ * بكَ حادٍ ، حدَا بركبٍ نيامَا
لكَ مِنْ وِردِهِ – كمَا هم – ورودٌ  * فتيقَّظْ ! لاَ تأْمَنِ الأيَّامَا
إنَّ نفسًا منَّتكَ هذَا كذوبٌ * فكأنِّيْ ، وقدْ سُلبتَ المقامَا
فتنبَّهْ – نومانُ ! – قدْ أدلجَ الرَّ * كبُ ، ونادى بِهمْ : أمامَ أمامَا
فلقدْ أنذرَ المشيبُ ذوِيْ الشَّيبِ * وفرضًا عذرُ الشباب اسْتقامَا


 

عن كتابه: الشِّعْر ودوره في الحياة