ألبوم الصور
الدوخلة 4
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3332800
رمضان أيام زمان في القطيف
عبير جابر - « الشرق الأوسط » - 10 / 10 / 2005م - 9:34 ص

ما ان يحل شهر رمضان حتى يبدأ كبار السن في القطيف بتذكر الماضي، على عادتهم في أي مناسبة· فالحنين الى الأيام الخوالي لا يشفيه التطور الذي لحق بالمجتمع، ولا الرفاهية التي انتابت مختلف المحطات اليومية من حياتهم·

«لم يكن الاستعداد لهذا الشهر الفضيل كما هو مبالغ فيه في أيامنا هذه»، يقول ابو حسين «صحيح أننا كنا نرصد ميزانية كبيرة للشهر لكن لم تكن متطلبات الحياة كما هي اليوم، قبل رمضان كان الوالد يشتري «مونة» الشهر من الطحين والأرز والساقو»· ولأن الثلاجات لم تكن متوفرة في معظم المنازل لم تكن هناك حاجة لتموين «اللحوم والأسماك والدجاج، فكنا نشتري هذه المستلزمات يوماً بيوم»·

ولعل أبرز ما يتذكره هذا الرجل الستيني من أيام زمان هو اجتماعه مع إخوته أمام والدهم عند ثبوت رؤية هلال رمضان ليرددوا معه نية الصيام «كنا صغاراً على الصيام ومع ذلك كنا نفرح بقدوم الشهر الفضيل»· كان أول أيام رمضان بمثابة عيد لدى أهالي المنطقة، وتبدو فترة بعض الظهر الأغزر نشاطاً بالنسبة للناس، حيث يتلهى الأطفال باللعب «كنا نتنقل في الفريج (الحي) للعب التيلة والدوامة، وكانت للفتيات ألعابهن الخاصة مثل اللقفة والحجلة»·

وعند شعور الصغار بالجوع كانوا يقصدون السوق الشعبي الرمضاني القديم الذي كان يعرف باسم «براحة الحليب»، وهو سوق خاص يفتح أبوابه في وسط البلد في جنوب ساحة القلعة في القطيف «كانت براحة الحليب مخصصة لكل مستلزمات رمضان وأهمها الحبوب والحلويات وهي التي كانت تستهوي الأطفال، والحليب واللبن والروب الطبيعي» يقول أبو حسين· ويتذكر بشيء من الحنين «الزلابيا وهي حلوى دائرية الشكل، والعسلية وهي كالدونات لكنها مغطسة بالسروب (السكر المذاب)، والخنفروش والقيمات»· وبسبب الجوع كان الأطفال يشترون من السوق السنبوسة والفلافل والكباتي أو الكباتشي وهي قطعة خبز مقلية نصف دائرية حلوة الطعم»، وبالطبع لا ينسى «خبز رقاق أو خبز تاوة وهو نوع من الخبز الهش الرقيق حلو الطعم»·

ومما يتذكره كبار السن في القطيف الخباز، «كان الناس يترقبون دورهم عند باب الخباز، وكان منظره ممتعاً وهو يعمل بكد يعجن ويخبز وتلفحه نار التنور»· ويسحب الشيخ أنفاسه «كأني اشم رائحة ذلك الخبز الشهية الآن، كنا نهتم بالخبز لصنع الثريد»· وعندما ينطلق صوت المؤذن يرفع الأطفال أثوابهم ويحملون نعالهم ويتسابقون للوصول إلى منازلهم بأسرع وقت لتناول طعام الإفطار· وتعود صورة الأزقة المزدحمة بالروائح الشهية قبيل آذان المغرب، الى مخيلة الشيخ «كانت كل أسرة توزع على الجيران أطباقاً مما تم تحضيره للإفطار، من الهريس والخبيص واللقيمات والخنفروش والثريد»، ولائحة تطول من الأطباق الشهية التي لم يكن يحلو لأهل الدار تناولها إلا بإشراك جيرانهم فيها·

ويتذكر أهل القطيف عادة «الجبّاية» ويسميها البعض «الدباية» والتي يقال انها امرأة تدور على الفريج وتطرق بالعصا على قدر في يدها من دون أن تتكلم فتخرج سيدات المنازل ويقدمن لها الطحين أو النشاء أو الأرز أو الساقو أو ما تيسر لديهن· وتقوم الجباية بتوزيع ما جمعته على الفقراء· ويقول البعض ان الأطفال كانوا يلحقون بها ويرددون «كوني كوني دبايه واصبي راكب كرفايه»· أما الإفطار فكان له مكانة خاصة لدى العائلات القطيفية، ولعل «الاجتماع العائلي» الأهم كان خلال هذه الإفطارات «كنا نتجمع حول السفرة المصنوعة من الخوص، وكانت الأطعمة على بساطتها لذيذة وخاصة لأنها من صنع الوالدة»· وما ان يحل الإفطار يردد أفراد العائلة الدعاء ليباشروا طعامهم· ولا يكتمل الإفطار بدون الحلويات «قيمات وبلاليط او قيمات وساقو أو قيمات ونشاء وخنفروش»· «بعد تناول الشاي كان الوالد يصطحبنا الى مجلس قراءة القرآن في أحد منازل الحي» يقول أبو حسين ثم يقوم بعدها بجولة الأقارب الجيران مهنئاً ومباركاً بحلول رمضان»·

لأن السهر لم يكن وارداً في تلك الأيام، بسبب العمل في وقت باكر وعدم وجود أجهزة التلفزيون، كان أفراد العائلة ينامون باكراً، ليصحوا على صوت المسحر· «كنا نقوم بعد أن نتعب والدتنا، تقول لي ولإخوتي قوموا للسحور لكننا نظل نائمين الى أن يأتي الوالد ويوقظنا، كان يدعونا لنشاهد المسحر «ابو طبيلة»· فكان الأولاد يركضون لسماع اسم الوالد على لسان المسحر فقد كان ينادي «سحور يا عباد الله سحور، لا اله إلا الله محمد يا رسول الله، اذكروا الله يا عباد الله، حيي فلان · صاحي صاحي» فكان الرجل الذي يناديه يرد عليه «صاحي» وإذا لم يرد يظل المسحر ينادي ليصحو الرجل· وبعد تناول السحور كان الناس ينامون ليباشروا صيام يوم جديد· ويختم أبو حسين بترديد عبارة «سقى الله تلك الأيام، كانت أياماً جميلة»·