ألبوم الصور
أهل الكساء
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3332793
هل ألغت دول الخليج اهتمامها بالتراث؟
صالح أحمد غريب * - 5 / 7 / 2005م - 11:03 ص

هل ألغت دول الخليج اهتمامها بالتراث!
بعد إغلاق مركز التراث الشعبي بالدوحة

يتميز التراث الشعبي في منطقة الخليج العربي بعراقته وأصالته خاصة قبل فترة ظهور النفط وتقوم تلك الاصاله والعراقة على بناء راسخ من التعاليم الدينية والقيم الإنسانية السامية والتقاليد الراسخة وظل هذا التراث حيا بين الناس يشكل جزءا من حياتهم الثقافية
والاجتماعية.

وبظهور النفط في المنطقة اتسع محيط الانفتاح على العالم من كل الجهات وبكل الوسائل ن وقد أحدث هذا الانفتاح والطفرة الاقتصادية تغيرات واسعة في مجتمعات وبلدان المنطقة شملت مختلف أوجه الحياة من اقتصادية واجتماعية وثقافية وغيرها وقد كان التراث واحدا من تلك الوجوه التي زحف إليها هذا التأثير، وكان لا بد من خطوات سريعة تكفل الحماية والحفاظ على عناصره خاصة وأن هناك عوامل أخرى غير النفط ساعدت على تسارع هذه التغيرات وكانت الخطوة الجادة في هذا الطريق من دول مجلس التعاون الخليجي هي تأسيس( مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية )، في مطلع عام 1982م  كمؤسسة إقليمية خليجية مشتركة تنفيذا لقرار المؤتمر السادس لوزراء الإعلام  بدول الخليج العربية الذي عقد في مسقط بسلطنة عمان خلال شهر مارس  1981 م  وأُشـهـِرَ  كمؤسسة إقليمية تتمتع بالشخصية القانونية المستقلة في ديسمبر 1983، واتخذ من مدينة الدوحة  عاصمة دولة قطر مقرا له وأصبح احد مؤسسات مجلس التعاون الست المستقلة في العام 1991 م، وذلك  بعد حرب الخليج وتحرير الكويت من الغزو العراقي عليها حيث تم استبعاد العراق من كل المؤسسات المشتركة.

ولا أبالغ إذا  قلت بان المركز وخلال هذه الفترة حقق الكثير من المنجزات فيما يتعلق بجمع التاريخ الشفهي لدول المنطقة ولعل الأرشيف الكبير من الأبحاث والدراسات التي قام بها على مستوى رقعة دول المنطقة هو خير دليل على ذلك، وان كان التراجع الذي حدث لأعمال المركز تكمن في تراجع الدول المؤسسة له في الاهتمام بتسديد نسبتها في الموازنة السنوية للمركز والتي لا تتجاوز الستة ملايين ريال قطري موزعة على دول المجلس حسب الأنصبة في موازناتها حيث تدفع كل من قطر والإمارات والكويت والسعودية النسبة الأكبر وهي تعادل 19 % أما سلطنة عمان والبحرين فنسبتها 2,50 %.

ولعدم  تسديد حصص الدول في الموازنة جعل التراجع الكبير في أعماله البحثية الميدانية تتراجع بشكل كبير مما عجل باتخاذ القرار الصعب على كل المهمومين بجمع مادة التراث الشعبي ليس في منطقة الخليج بل في جميع الدول العربية والعالم لان المركز كان السبيل الوحيد لهم على الرغم من إقليميته الخليجية إلا انه كان ومن خلال مطبوعتة المميزة مجلة (المأثورات الشعبية) وهي الفصلية العربية الوحيدة الموثقة التي ساهمت في تلاقي جميع العرب من خلال التراث ولعل ميزانية تجهيز منتخب لفريق الناشئين في إحدى الدول الخليجية أو ميزانية  إعداد  مشاركة في إحدى البطولات الإقليمية المحلية  تفوق موازنة المركز بكثير ومن خلا ل متابعاتنا الصحفية نجد أن لاعبا خليجيا يحصل على مبالغ كبيرة من أجل التوقيع لفريق خليجي، لم يصل حتى الى المربع كما يطلق عليه في عالم الدوري المحلي في دول المنطقة، في حين أن دول المجلس الست لم تتمكن من أن تدفع موازنة مركز التراث الشعبي  وهو مركز بحثي يوثق للأجيال القادمة التي باتت لا تعرف عن القيم والعادات والتقاليد الاجتماعية  أي  شيء  لأننا في عالم متغير ويهتم  بالعولمة وغيرها من المتغيرات التي حدثت في المنطقة، دون أن يعرف مثل هذه القيم، ومن هنا تكمن أهمية وجود مركز بحثي يهتم بجمع التاريخ الشفهي لهذه المنطقة، التي ينظر إليها على أنها دول أنابيب بترول فقط  ليس لها تاريخ أو حضارة.

إن الخليج ليس كما يعتقد البعض.. خيمة وجمل وصحراء  بهذه الصورة النمطية التي تشكلت في أذهان الكثير، لأننا لم نعرف كيف نهتم بطرح ثقافتنا المحلية لنصل الى المجتمع بالرغم من أننا نملك كل المقومات المادية والبشرية لنغير الصورة المغلوطة عن المنطقة، فكان مركز التراث الشعبي خطوة كبيرة لمنطقة الخليج لكي تجمع تراثها الشعبي ليكون الصورة الواقعية عما كان عليه المجتمع قبل هذا التغير الذي حدث قبل وبعد ظهور النفط في حياه الإنسان في المنطقة.

لقد كان قرار الوزراء المسؤولين عن الثقافة في دول المجلس بإغلاق مركز التراث الشعبي صعبا، ويبدوا أن هناك توجها خليجيا بالتخلص من كافة المؤسسات الخليجية المشتركة مثل جهاز تلفزيون الخليج ومؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك ومنظمة الخليج للاستشارات الصناعية، حيث يرى القائمون بدول المجلس ان هذه المؤسسات عديمة الجدوى. ولهذا فان التراجع عن الدعم المادي لهذه المؤسسات ساهم في تراجع إنتاجها وبروز عدم الجدوى لها.

وبحكم علاقتي بالمركز فقد ظل صامدا منذ تأسيسه وحتى آخر يوم فيه واليوم لابد أن نسال أنفسنا.. ما هو حجم الخسارة في إغلاق مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون ؟ وبالطبع فلا أقصد الخسارة المادية.. بل الخسارة الكبيرة المتعلقة بالإنسان والمجتمع  فهذه ليست نقودا حتى نعوضها، ولا بنايات حتى نعيد بناءها، إنها خسارة مركز و مجلة و اتحاد و جمعية ونقابة  تتعلق بالثقافة بشكل عام، وبالتالي  خسارة لمجتمع كامل عبر رافد من روافده الضرورية  في بنائه وديمومته وصحته.

حينما اتخذ القرار بإغلاق المركز، فان  مجلته (المأثورات الشعبية) والتي تصدر منذ العام 1986 و المتخصصة بدراسات عن التراث الشعبي لدول الخليج العربية وربطه بالتراث العربي والعالمي وبعيدا عن المجلات الإقليمية التي تصدر هنا  وهناك، فقد كانت حلقة الوصل بين الخليج والمحيط، سوف تتوقف كما توقف نشاط المركز على مستوى رقعة البحث في المنطقة، هذه المجلة التي تعتبر مرجعا علميا لكل باحث وطالب ودارس بل وحتى المتتبع من عامة الناس، بل إنها أحيت العديد من عناصر ووجوه تراثنا التي نسيها الجيل الجديد، وماذا نقول عن تلك الدراسات المتخصصة والمتعمقة في تراث الخليج، ابتداء من صلالة بسلطنة عمان حتى فيلكة في الكويت، والتي صدرت بكتب ضخمة لا يمكن لأي بيت أن يستغنى عنها، لأنها تشكل رافدا حيويا لثقافة الخليج وأساسا راسخا للمبدعين.
وكيف لنا أيضا أن نستغني عن الأنشطة المختلفة لمركز التراث الشعبي والتي تصب جميعها في حماية وتنشيط تراث الخليج ؟!
إن الأمم والشعوب تتفاخر بتراثها، وتبذل الجهد والمال للحفاظ عليه،وقد جاء إنشاء المركز انطلاقا من هذه الغاية والقناعة، وفي وقت  كان تراثنا يتعرض للضياع بكل معنى الكلمة، ولو لا الجهود المخلصة للمركز لتلاشى الكثير من كنوزنا التراثية في كل جانب من جوانب الحياة.

ولا زلت أذكر ذلك الدور الكبير للمركز إبان الغزو العراقي للكويت، عندما تعرضت منشاتها الثقافية والتراثية والمتحفية والفنية للدمار والتلف، فقد قام المركز بتوفير كل المعلومات الخاصة بالتراث الشعبي الكويتي، بالكلمة والصورة والصوت، حين كانت الحاجة إليها، فأثبت أهميته وجدواه  وخطورة رسالته حتى في أحلك الظروف.

بصراحة نقول إن ( جزءا ) من المبالغ التي تدفع من قبل وزارات الإعلام بدول المجلس لصحافة الاستجداء، ولتجار الكلمة والمواقف الملتوية وللمنافقين في المدح والإطناب، وصرف المبالغ الطائلة على مطربي التنطيط والقشور وغيرها من وجوه الصرف المهدور، كفيل بأن يحل أزمة مركز التراث الذي تختلط كل مادة فيه بدمائنا، لأنها تحمل سيرة وحياة ومسيرة الأجداد والآباء الحضارية، ومن المؤلم للغاية أننا دول نفط  و يـتـقـلـّـب المال في أيدينا، وفي  مؤسساتنا ليلا ونهارا، ثم يكون سبب إغلاق هذا المركز الهام هو عدم وجود المال !.

وبصفتي  مهموم بالتراث الشعبي كنت أتطلع الى أن يستمر المركز إلى سنوات طويلة لأهمية التراث لدول المنطقة وحاجتها الى الجمع والتدوين والتوثيق لجوانب التراث، فقد كنت اقل المتشائمين بإغلاق المركز في يوم من الأيام.

إن المتابع للعلاقات الخليجية الخليجية سوف يرى السبب في هذا التراجع بمثل هذه المقومات التي تضمن الاستمرارية لها، فبروز أي مشكلة في إحدى الدول ينعكس ذلك على الخطط والمشاريع والهيئات و المنظمات الخليجية التي يفترض أن لا تكون لها علاقة مباشرة بمثل هذه الخلافات، التي من الطبيعي أن تبرز وتتواجد على السطح وسرعان ما يتم احتوائها بعد حبه خشم ( من عادات الخليج عند السلام على الصديق أو الضيف ) فان هذه الحبة تنهي الكثير من الخلافات التي تظهر هنا أو هناك في دول الخليج، ولكن يظل السؤال المطروح الى متى سوف نظل نحن شعوب هذه المنطقة نعتمد على حب الخشوم ولبس البشوت، علاقاتنا يجب أن تكون أقوى من أي تأثير، لذلك يرى الكثير من شعوب المنطقة  وجود هشاشة في دور الأمانة العامة لمجلس التعاون وقدرتها على معالجة الأمور عندما يتعلق الأمر بهدم صرح من صروح الثقافة مثلا  في دول المجلس، ولا أبالغ إذا قلت أن الأمانة العامة لمجلس التعاون لم يكن لها  أي دور في المحافظة على مثل هذه المؤسسات الخليجية المشتركة والتي تقع تحت لوائها أو على الأقل اسمها، فأي أمل ينتظرنا نحن شعوب هذه المنطقة وإلى أين نسير وإلى أي مدى سوف نصل فيما وصلت إليه دول العالم،؟

وتذكرت هنا حادثة من الجميل أن اذكرها هنا وهي أنه  عند تأسيس المركز كان الشاعر البحريني  علي عبد الله خليفة صاحب فكرة إنشاء المركز يخاطب المراكز والمؤسسات التراثية في العالم من اجل مد الجسور معها والاستفادة من خبراتها في مجال جمع تراثها الشعبي، فقد كانت الردود تصلنا منهم يطرحون علينا هذا السؤال :  هل هذا المركز سوف ينشئ أم انه موجود وتحتاجون لخبرتنا في هذا المجال ؟  لان الهند مثلا  لديها مركز للتراث الشعبي قبل أكثر من 100 سنه وغيرها من الدول أيضا.

فدول مثل الخليج الآن تفكر في تأسيس مركز علمي لجمع تراثها الشعبي، نعم الآن في هذه الفترة فكرت هذه الدول في تأسيس مركز للتراث الشعبي  وكانت فكرة صائبة للغاية كنا نأمل أن تستمر لدى السادة الوزراء المسؤولين عن الثقافة، لكن المشكلة التي تكمن في دول المنطقة أن هذه المؤسسات الخليجية الإقليمية المشتركة أقيمت خلال ليالي حمراء في احد فنادق ذات الخمس نجوم في إحدى عواصم الدول الخليجية  دون دراسة جدوى فعلية لأهميتها والضمان لاستمرايتها، فمقولة : ( طال عمرك هذا ينفع وهذا لا ينفع )، ومن يقرر النفع من عدمه هو موظف شؤون مالية ليست له أي علاقة بأهمية الجمع الميداني والتوثيق لحياه المجتمع الخليجي لإنسان  ما قبل النفط، فكل ما يهتم به هذا الموظف هو الموازنة السنوية وكيف يمكن تقليصها  عن كل عام حتى باتت المؤسسات الخليجية مفرغة من محتواها الفعلي وباتت فقط مجرد واجهات للدلالة على : ( خليجنا واحد وشعبنا واحد )..  مجرد أغنية نسمعها نحن شعوب المنطقة في اجتماعات قادة دول مجلس التعاون الخليجي السنوية.

إننا في دولة قطر خسرنا قبل سنوات مجلة الدوحة الثقافية والأمة الإسلامية والصقر الرياضية، وكنت  في العام الذي أغلقت فيه مجلة الدوحة في العام 1986 م أدرس في المعهد العالي للفنون الشعبية بجمهورية مصر العربية  وكنا في رحلة عمل ميداني لمنطقة الوادي الجديد، ولأنها تتشابه مع الخليج في القيم الاجتماعية كنا نلبس الثوب الخليجي  والغترة وعندما ركبنا سيارة البيك أب « نصف نقل» سألني من بقربي " من فين ؟ " فقلت له من الدوحة " فما كان منه إلا أن تغير حاله وأحسست بخطورة الموقف وسألته : فيه حاجة ؟ قال لي أنت على راسي.. أنا من المتابعين لمجلة الدوحة وتصلني كلما وصل البريد من القاهرة حيث اشترك فيها بعدد شهري وقدم لي الدعوة للذهاب معه الى البيت للاحتفاء بي كواحد من الدوحة، فكتبت حينها مقالا أقول فيه لو أغلقت السفارة لكانت الدوحة هي خير سفير لنا في هذه المنطقة، وها  قد ذهـَبـَـتْ مجلة الدوحة ولم نتمكن من إعادتها حتى الآن.

إن انفراط عقد مركز التراث الخليجي يولد سؤالا  مـُرّا : من سيعيده مره أخرى، أشك في  عودته لأن إعادة بنائه بعد هدمه بهذه الطريقة.. صعب للغاية !!

باحث تراثي، مدير العلاقات الثقافية بمركز التراث الشعبي.
رئيس قسم الثقافة والفنون بجريدة الشرق القطرية.
باحث تراثي ، مدير العلاقات الثقافية بمركز التراث الشعبي. رئيس قسم الثقافة والفنون بجريدة الشرق القطرية.