ألبوم الصور
يالثارات الحسين
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3155836
محطات من تاريخ القرامطة
الشيخ سامي بوخمسين - 16 / 6 / 2005م - 9:18 ص

في أواسط عام 311 للهجرة وصل الى الأحساء وفد رفيع المستوى، يحمل كتاباً الى أبي طاهر الجنابي من خليفة بغداد المقتدر العباسي، طالبا فيه إطلاق الأسرى، وإيقاف التعديات التي يقوم بها القرامطة خصوصاً، قتل الحجيج، واضراب الأمصار، وحرق المساجد، فقد اجتاحت بغداد موجة عارمة من مشاعر السخط والفزع، بعد اعتداء القرامطة على الحجاج.. وكان فيهم خلق كثير من أهل بغداد، وهم في طريق العودة الى العراق [1]  في منطقة تسمى الهبير.

أمر أبو طاهر بإكرام الوفد، وإطلاق الأسرى وإنفاذهم الى بغداد، وطلب من الوفد إبلاغ الخليفة المقتدر رغبته في الاستيلاء على البصرة، والأهواز في مقابل الكف عن التعرض للحجيج، وحمّلهم كتابا يتضح من خلاله مستوى الضعف الذي وصلت اليه الدولة العباسية حينها، واللامبالاة التي يبديها القرامطة لتهديدات الخليفة المقتدر، فقد جاء فيه وصف الخليفة المقتدر: بقائد الأرجاس المسمى بولد العباس، وبعد ذلك يذكر أبو طاهر القرمطي الأسباب التي دعته الاعتداء على قوافل الحجيج، ويعيب على المقتدر تسمية نفسه بالمقتدر بالله، فيقول: أي جيش صدمك فاقتدرت عليه، أم أي عدو ساقك فابتدرت اليه؟. كما تضمنت الرسالة تبريرات أبي طاهر لأعماله على شكل مناظرة، يقول أبو طاهر:

«فأما ما ذكرت من قتل الحجيج واضراب الامصار، واحراق المساجد فوالله ما فعلت تلك إلا بعد وضوح الحجة كإيضاح الشمس، وادعاء طوائف منهم انهم أبرار، ومعايشتي فيهم أخلاق الفجار، فحكمت عليهم بحكم الله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). خبرني أيها المحتج لهم -أي المقتدر - والمناظر عنهم، في أي آية من كتاب الله او اي خبر عن رسول الله إباحة شرب الخمور، وضرب الطنبور، وعزف القيان، ومعانقة الغلمان، وقد جمعوا الأموال من ظهور الأيتام، وحووها من وجوه الحرام»؟.

وختم أبو طاهر سليمان بن ابي سعيد الجنابي رسالته دعوة الخليفة العباسي بعدم اللجوء الى التهديد، بل اعزم على ما أنت عليه عازم، واقدم على ما أنت عليه قادم. وبعد أن علم أبو طاهر بامتناع الخليفة العباسي المقتدر عن قبول عرضه المتضمن طلب تمكينه الاستيلاء على البصرة، والأهواز في مقابل الكف عن التعدي على الحجيج، قرر استئناف حملاته التي لم تتوقف حتى بسط نفوذه على الكوفة، فهرب الناس الى واسط، وبغداد ومكث في الكوفة سبعة عشر يوما يدخل البلدة فيقيم بالجامع الى الليل، ثم يخرج فيبيت في عسكره، وحمل منها ما قدر على حمله من الأموال، والثياب وغير ذلك، ثم عاد الى الأحساء، ثم سار الى مكة حيث سيقوم بعدها بحملة تستمر قرابة السنتين يمزق فيها جيوش العراق وتطأ خيله أطراف فارس، والشام ولم يقو على ردعه أحد.

أظهر أبو طاهر الجنابي في هذه الحملة قوة البأس والشجاعة، وشهد له أعداؤه حضوراً في مقدمة كل الحملات والمعارك التي خاضها جيشه المكون من ألف وخمسمائة، أو قيل ألفين وسبعمائة مقاتل، فيهم سبعمائة فارس وثمانمائة راجل وكانت جيوش الخلافة التي قابلوها أقلها ستة آلاف، وأكثرها أربعون ألف مقاتل، حتى ان المقتدر لما سمع بعدة جيشه، وجيش القرامطة قال: لعن الله نيفا وثمانين ألف يعجزون عن قتال الفين وسبعمائة [2] . هذا هو أبو طاهر الذي وصلت في عهده الدولة القرمطية الى أوج قوتها، وفترتها الذهبية.

الأحساء في عهد القرامطة:

تقع مدينة الأحساء في وسط الصحراء. ولبلوغها عن أي طريق، ينبغي اجتياز صحراء واسعة، والبصرة أقرب البلاد الاسلامية التي بها سلطنة الى الأحساء، وبينهما خمسون فرسخا [3]  وهي مدينة سواد ايضا، ولها قلعة، ويحيط بها أربعة أسوار قوية متعاقبة من الجص المحكم البناء، بين كل اثنين منها ما يقرب من فرسخ وفي المدينة عيون ماء عظيمة، ووسط الحصن مدينة جميلة بها كل وسائل الحياة التي في المدن الكبيرة، والبحر على مسيرة سبعة فراسخ من الأحساء الى ناحية الشرق، فاذا اجتازها المسافر وجد البحرين وهي جزيرة طولها خمسة عشر فرسخاً.

هذا ما سجله لنا الرحالة المؤرخ ناصر خسرو من ملاحظات في كتابه (سفرنامه) عن الأحساء من حيث الموقع والتحصين حين زارها في رحلته التي دامت سبع سنوات [4]  وهو من القلائل الذين كتبوا بموضوعية عن الدولة القرمطية في الأحساء. نتابع ملاحظات الرحالة ناصر خسرو عن الأحساء في المجال الديني والاقتصادي والتأثير الكبير لأبي سعيد الجنابي مؤسس الدولة [5]  ـ دولة آل الجنابي ـ وان كان آل الجناب في فترة من فترات الضعف قد دعوا لأحد خلفاء بني العباس كولاة لمقاطعة تابعة للدولة العباسية. أما لقب القرامطة فما أخاله إلا لقب أطلقه مناوئو القرامطة على آل الجنابي نكاية بهم. يقول ناصر خسرو:

الحكم في هذه السلطنة التي لم تسمٌَ تدار باسم امام غائب في بلاد الروم [6]  ولكن شريفهم وسلطانهم ابو سعيد الجنابي قال: إني عفيتكم من الصلاة والصوم، ودعاهم الى ان مرجعهم لا يكون إلا اليه، وهم مع ذلك يقرون بمحمد المصطفى وبرسالته [7] . اذن كانت الامامة في يد ابي سعيد وانتقلت اليه من الامام الغائب في بلاد الروم.

بعد وفاة ابي سعيد بني له قبر جميل، وعلى باب القبر حصان مهيأ بعناية، عليه طوق ولجام، يقف بالنوبة ليلا ونهارا يعنون بذلك ان أبا سعيد يركبه حين يرجع الى الدنيا [8]  ويضيف: وليس في مدينة الحسا مسجد، ولا تقام بها صلاة او خطبة، الا ان رجلاً فارسياً اسمه "علي بن احمد" بنى مسجدا وكان يتعهد الحجاج الذين يبلغون الأحساء... واذا صلى احد فانه لا يمنع، ولكنهم انفسهم لا يصلون [9] .

اما الاقتصاد عند آل الجنابي فهو مميز، ومثير للاعجاب، ان صح ما نقله لنا الرحالة ناصر خسرو، فهو يقول: البيع والشراء، والعطاء، والأخذ يتم هناك "في الأحساء" بواسطة رصاص في زبيل يزن كل منها ستة آلاف درهم، وهذه العملة لا تسري في الخارج، وفي الحسا تباع لحوم الحيوانات كلها: من قطط، وكلاب، وحمير وبقر، وخراف وغيرها، ويوضع رأس الحيوان وجلده بقرب لحمه، وينسجون هناك فوطا جميلة، ويصدرونها للبصرة وغيرها. وفي الحسا تمر كثير، حتى انهم يسمنون به المواشي، ويأتي وقت يباع فيه أكثر من ألف (منٌ) والمن يساوي وزن مائتين وسبعة وخمسين درهما وسبعة دراهم" بالاضافة الى نظام دعم الفلاحين والصناع وتوفير رؤوس الأموال لهم لتشجيعهم على العمل والانتاج. نترك التفصيل عن هذا الجانب حيث سيذكر لاحقا في الحديث عن تأسيس الدولة.

ابو سعيد وتأسيس الدولة الجنابية:

ظهر ابو سعيد الجنابي القرمطي في البحرين سنة ست وثمانين ومائتين، "وكان لشخصيته الطموحة المغامرة المتنقلة من مكان الى مكان والداعية للثورة من جنابة الى الكوفة الى البحرين"[10]  ، اكبر الاثر في تأسيس الدولة، وذكر المقريزي عن ابي سعيد ان اصله من الفرس، سافر الى سواد الكوفة وتزوج من قوم يقال لهم بنو القصار.

استطاع ابو سعيد استمالة اهل البوادي واخضع القطيف وضواحيها لسلطانه، وسرعان ما توجه الى هجر، فزحف عليها غير ان قوة تحصينها حال دون سقوطها في قبضته في اول الامر وفي ذلك يقول المقريزي: (ولم يمتنع عليه الا هجر وهي مدينة البحرين ومنزل سلطانها وبها التجار والوجوه فنازلهم شهورا يقاتل اهلها، ثم وكل بها رجلا، وارتفع فنزل الاحساء وبينها وبين هجر ميلان، فابتنى بها دارا وجعلها منزلا، وتقدم في زراعة الارض وعمارتها، وكان يركب الى هجر ويحارب اهلها، ويعقب قومه على حصارها) [11] .

لقد كان ابو سعيد على علم تام بأن جيوش الخلافة تحتاج الى وقت غير قصير لكي تصل الى مناطق نفوذه، لذا شرع وهو يحاصر هجر. (دام حصارها سنة ونيف من الشهور) في بناء مقر جديد له في الاحساء على بعد ميلين من هجر، ثم بدأ في الزراعة واخضاع القبائل، حيث خضع له بنو عقيل، واجابه بنو الاضبط من كلاب، ولما اجتمع له العرب مناهم ملك الارض كلها، فتغلب على اهل هجر وبدأ نهضته الفعلية اذ قام بمساعدة الفلاحين بطحن حبوبهم مجانا في مطاحن مملوكة للسلطان، والغىالاعشار، واقرض الفلاحين المال اذ (افتقروا دون فائدة) وقام بمساعدة الملاكين في اصلاح بيوتهم وطواحينهم مجانا [12]  ، وكذا دعم الصناعة اليدوية عن طريق امداد الصناع بالقروض الطويلة الأمد اللازمة لشراء الآلات دون فائدة.

كان أول اصطدام فعلي لأبي سعيد مع جيوش الخلافة سنة 287هـ وهي السنة التي هزم فيها جيشا بقيادة العباس بن عمر الغنوي بعد ان اقترب القرامطة من نواحي البصرة ونهبوا وسلبوا ما وجدوه في طريقهم. وقد امر المعتضد باختيار رجل ينفذه الى البصرة، وعزل العباس بن عمر الغنوي عن بلاد فارس وأقطعه اليمامة والبحرين، وامره بمحاربة القرامطة وضم اليه زهاء ألفي رجل، سار العباس الغنوي الى البصرة واجتمع اليه جمع كثير من المتطوعة والجند والخدم ثم انطلق منها الى ابي سعيد الجنابي فلقيه الأخير وجنوده مساء وتناوشوا القتال.. وحمل الجنابي ومن معه على أصحاب العباس فانهزموا، وأسر العباس، واتى الجنابي على ما كان في عسكره [13] .

بعد هذه المعركة الهامة التي خاضها ابو سعيد ضد الجيش العباسي، عاد ليكمل مسيرته في تطوير الصناعة والزراعة باتجاه تحقيق الاكتفاء الذاتي، ويدلل على ذلك الممارسات التقشفية والضابطة للاوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، ويصف المقريزي ذلك قائلاً: (حتى بلغ في تفقده أن الشاة اذا ذبحت يتسلم العرفاء اللحم ليفرقوه على من ترسم لهم، ويدفع الرأس والاكارع، والبطن الى العبيد والاماء، ويجز الصوف، والشعر من الغنم ويفرقه على من يغزله، ثم يدفعه الى من ينسجه عبياً وأكسية، وغرائز وجوالقات ويفتل منها حبال، ويسلم الجلد الى الدباغ، ثم الى خرازي القرب والروايا والمزاود، وما كان في الجلود يصلح نعالا وخفافا فأعمل منه ثم يجمع ذلك كله الى خزائن، وكان في الوقت نفسه قد جمع الصبيان في دور وأقام عليها قوما، وأجرى عليهم ما يحتاجون اليه، ووشمهم لئلا يختلطون بغيرهم، ونصب لهم عرفاء، وأخذ يعلمهم ركوب الخيل والطعان، فنشأوا لا يعرفون غير الحرب) [14] . ومن الجدير بالذكر هنا ان العباس الغنوي حالما وصل الى بغداد وسلم رسالة فارغة من ابو سعيد الى المعتضد الذي فهم مغزاها بقوله: والله ليس فيه شيء وانما اراد ان يعلمني اني انفذتك اليه في العدد الكثير، فردك فردا.

مات المعتضد في العام التالي وانشغل خليفته المكتفي بحروب الشام وقلاقلها، تاركا المجال لأبي سعيد ليوطد اركان دولته الوليدة [15] . هذه هي التركة التي خلفها ابوسعيد الجنابي لولده ابو طاهر بن ابي سعيد الجنابي، والذي كان محظوظا، حيث خدمته الظروف فأكمل ما أنجزه ابوه، الذي قتل سنة 301 هــ في الحمام، قتله غلام له غيلة، وقبل ان يصل خبر مقتل ابي سعيد كان المقتدر خليفة المكتفي قد أرسل كتابا الى أبي سعيد فيه طلب المهادنة ووقف المناوشات بين الطرفين، أشار على المقتدر بذلك وزيره علي بن عيسى فأخذ بنصيحته [16] .

وصل الكتاب الى نائب أبي سعيد آنذاك وهو ابنه أبو طاهر، فجاء الجواب من هجر غامضاً فيه الكثير من المراوغة التي ساعدت على منع هدنة جديدة امتدت قرابة عشر سنوات تمكن خلالها القرامطة بقيادة ابي طاهر من ترتيب أمورهم الداخلية. فلم يصطدموا بجيوش الخلافة حتى عام 312 هــ [17]  حيث بدأ ابو طاهر يتعرض لقوافل الحجاج ويقتل حراسهم، وقد أسر عدداً كبيراً منهم، وغنم كل أموال السلطان التي كانت معهم. يقول محي الدين اللاذقاني: وأخذت القرامطة الشمسية وجميع ما كان للسلطان من الجواهر الظرائف وأخذوا من أموال الناس ما لا يحصى، وتابع ابو طاهر عادته السنوية بقطع طريق قوافل الحج حتى وصل به الامر الى غزو الكعبة نفسها سنة 317 هـ، وحيث استولى على محتوياتها واقتلع الحجر الاسود وعاد به الى هجر [18] .

ولابد من ذكر ملاحظة هنا وهي ان القرامطة لم يكونوا اول من قطع طريق الحجيج، وكذا الكلام بالنسبة لغزو الكعبة ومحاولة اقتلاع الحجر الاسود، فقد سبق لقبيلة بني سليم قطع طريق الحج لسنوات عديدة قبل ظهور القرامطة أشهرها سنة 230هـ، وفي سنة 251هـ قطع بنو عقيل طريق الحج وغيرها من القبائل مثل طي والمنتفق. ولم تكن الدوافع لدى هؤلاء ذات صلة بالعقائد، لا عند القرامطة ولا عند القبائل الاخرى. واستناداً الى الأزهري كما جاء في معجم الأدباء لياقوت الحموي وغيره، بأن غالبية القرامطة في القبائل البدوية الصحيحة، وأصحاب الحرف في المدن وهؤلاء لا يعنيهم الدين في كثير أو قليل، لأنهم يتعاملون معه بالحدود السطحية التي يسهل عليهم فهمها [19] .

ان قطع طريق الحجيج مهنة مربحة تدر أموالا منذ مطلع القرن الثاني للهجرة، وان القبائل كانت تتصارع للفوز بهذه المهنة، وأبو طاهر القرمطي نفسه كان حارسا لطريق الحج منذ سنة 328هـ، وكان يتقاضى مخصصات مالية من خليفة بغداد لقاء قيامه بهذا العمل. اما عن الحجر الأسود فقد جاء في الحاشية الرابعة في كتاب أخبار مكة:انه قد أزيل الحجر الاسود عن مكانه غير مرة من جرهم، والعمالقة، وخزاعة، وأزاله القرامطة عام 317هـ واختلف المؤرخون حول من أرجعه ومتى؟. قيل أعاده الخليفة العباسي المطيع لله الى مكانه عام 339هـ. وفي عام 363 دخل الحرم وقت القيلولة رجل رومي متنكرا، فحاول قلع الحجر، فابتدره يماني طعنه بخنجره فألقاه ميتا.. وفي آخر شهر محرم عام 1351هـ وقع آخر اعتداء على الحجر الاسود إذ جاء أفغاني فسرق قطعة من الحجر الأسود وسرق قطعة من ستار الكعبة، وقطعتي فضة من المدرج الفضي فأعدم عقوبة له وردعاً لأمثاله، ثم أعيدت القطعة المسروقة يوم 28 ربيع الثاني من العام المذكور الى مكانها، فوضعها جلالة الملك عبد العزيز آل سعود [20] .

بعد هذا الاستطراد نعود الى حديثنا عن دولة آل الجنابي.. إن مرحلة أبي طاهر كانت فترة ذهبية لقرامطة البحرين، وطدوا فيها سلطانهم في الأحساء، والقطيف والبحرين، واستولوا على عمان مرات متتالية بطلب من أهلها، كما أنهم كانوا يتقاسمون الإشراف على البصرة مع العباسيين، وكان لهم ديوان بميناء البصرة ورجل يأخذ المكوس باسمهم، ذكر ذلك المقدسي في كتابه (احسن التقاسيم) وقد استولى ابو طاهر على الكوفة عدة مرات وتركها مختارا لعدم ثقته باهلها [21]  كما استولى على الكوفة والأنبار بل لقد اقترب من فتح بغداد لولا قطع القنطرة فتوجه الى مدينة "هيت" وواصل زحفه حتى سنجار. وكان في كل ذلك مستفيدا من تلك الجيوش العباسية وتشرذم الولاة، وتنافس الزعماء والقادة، اذ لم يكن لبني العباس الا الاسم فقط، وحين عاد أبو طاهر الى عاصمته هجر قال [22] :

أغركم مني رجوعي الى هجر= فمن مبلغ أهل العراق رسالة
سأضرب خيلي نحو مصر وبرقة= أكيلهم بالسيف حتى أبيدهم
فعما قليل سوف يأتيكم الخبر = بأني أنا المرهوب في البدو والحضر
الى قيروان الترك والروم والخزر= فلا أبقي منهم نسل أنثى ولا ذكر 

ان الحروب التي خاضها أبو طاهر والقرامطة بشكل عام لم تكن فتوحات ولا نشراً لدعوة، إنما هي غزو لزيادة موارد الدولة المالية، فعلى الرغم من وجود النخيل الكثير في المنطقة التي سيطر عليها القرامطة، وعلى الرغم من خصوبة الأرض النسبية التي استخدم القرامطة لزراعتها ثلاثين ألف عبد زنجي وحبشي، عدا الفلاحين المحليين وملاك الأرض الزراعية من غير آل الجنابي ووزرائهم من آل سنبر، فان مدخول الدولة من الزراعة كان أقل بكثير من مداخيل مكوس حماية طريق الحجيج، ومكوس سواد الكوفة والبصرة، ومن رسوم المرور التي تأخذ من السفن التي تبحر من الخليج، والضرائب السنوية القادمة من عمان، وعائدات الجزية المفروضة على البدو، وحصة الحكام من صيد اللؤلؤ اضافة الى الغنائم التي كانت تأتي بها السرايا من الغزوات التي تشنها في كل اتجاه. أي أن واردات دولة القرامطة من الزراعة لم تكن أكثر من 2% من مجموع وارداتها.. ولعل ذلك هو الذي يفسر هذا السعي للحرب. [23] 

بعض المفارقات في تاريخ القرامطة:

لابد هنا من ذكر بعض المفارقات في تاريخ القرامطة، التي أقل ما يقال عنها انها محيرة، مثيرة للتساؤل، وان ما سجله التاريخ ليس الحقيقة كلها؟! هناك نص في "تاريخ بغداد" يفيد بأن أبا حنيفة كان يفتي بالقتال الى جانب القرامطة وهذه الفتوى تجعلنا نعيد النظر في كل الاتهامات الالحادية التي الحقت بالقرامطة.. فهذا يعني ان تفسيرهم للدين على غلوه لا يبعدهم كثيراً عن حظيرة الاسلام.. وتأييد ابي حنيفة للقرامطة غير مستغرب، فقد كان قبل ذلك كما يقول الزمخشري في الكشاف: يفتي سرا بوجوب نصرة الامام الثائر زيد بن علي [24]  الذي ثار ضد الدولة العباسية، وكذلك علي ابن عيسى، وهو أحد وزراء بني العباس، ورغم الضغوطات الشديدة التي واجهها لم يقبل بتكفير القرامطة وكذلك القاضي ابي جعفر احمد بن اسحاق بن البهلول في دفاعه عن علي بن عيسى قال: اذا لم يصح عنده "اي علي بن عيسى" كفرهم وكاتبوه بالتسمية لله ثم الصلاة على رسوله وانتسبوا الى أنهم مسلمون وانما ينازعون في الامامة فقط لم يطلق عليهم الكفر [25]  وأعجب من ذلك بل أعجب ما في التاريخ الاسلامي هذا الضعف الذي طرأ على الدولة العباسية وامرائها، حيث ان أبا طاهر هاجم الكعبة عام 317هـ ومعه ستمائة فارس وتسع مائة راجل [26]  وقلع باب البيت الحرام، وقبة زمزم والحجر الاسود ثم عاد ومعه الحجر الأسود الى الأحساء [27]  ولم تتمكن الخلافة العباسية من اتخاذ أي اجراء ضد ابي طاهر، بل اكتفى الخليفة المقتدر بارسال رسالة الى ابي طاهر يعاتبه فيها ويتوعده، فرد عليه بما يدل على عدم اكتراثه به [28] .

والأدهى من ذلك كان يبقى الحجر الاسود - ان صدق هذا الادعاء - زهاء عشرين سنة في الأحساء ولم يتحرك جيش ولا كتيبة، ولا غيور من المسلمين لاسترجاعه، لا من قبل الدولة العباسية التي حشدت اربعين الف مقاتل لمنع ابي طاهر من دخول بغداد، ولا من الدولة الفاطمية التي بسطت نفوذها على المغرب العربي، ومصر وبلاد الشام، والتي كانت جيوشها في حالة أفضل من التشرذم الذي بليت به جيوش الدولة العباسية، ولم يذكر أحد من الكتاب أو الأدباء، والشعراء او المؤرخين انه زار مكة، وأراد استلام الحجر الاسود فلم يجده، فتألم لذلك، او تملكه الاستغراب فاندهش وغضب لعدم وجود الحجر الاسود. ولم يذكر أحد من التجار او قوافل الحج القادمة من فارس او العراق خلال العشرين سنة انه رأى الحجر الاسود في طريقه الى الحج عند عبوره على الأحساء.

ولم يحتج الناس ويتجمهروا او يكسروا منبر بغداد كما حدث عندما وصلت جحافل الصليبيين الى القدس، لذا يشكك الشيخ حمد الجاسر في كتابه "معجم المنطقة الشرقية" في صحة ما جاء عن اخبار القرامطة في معرض حديثه عنهم فيقول ما نصه "لكن الباحث حين يحاول البحث عن مصادر لأخبارهم يعوزه وجودها في غير مؤلفات مخالفيهم. يقول احد الكتاب المعاصرين معبرا عن استغرابه: (ومن الغريب ان لا نجد في الآثار الادبية ما يعبر عن عمق هذه المأساة التي هزت ضمير العالم الاسلامي لما لها من مساس بمقدساتهم).

 نحن نقول له لا غرابة أبدا، لكن لا نجزم بذلك فربما تكشف لنا الأيام أدلة على وقوع حادثة، وان ضمير العالم الاسلامي قد اهتز فعلا، فهذا الحدث لا يعقل ان لا تكون له ردة فعل بحجمه وعلى مستواه، فاذا لم نجد في كتب السير ولا في قصائد الشعراء ردود أفعال، ولم نجد ايضا كلاماً عن احتفال بمناسبة رجوع الحجر الاسود الى مكة، ولم يفتخر سلطان ذلك الزمان، وينادي باسمه في كل بلاد المسلمين على انه بطل الابطال وصمصام الدين لأنه أرجع الحجر الاسود بعد عشرين سنة من اغتصابه، فهذا يعني ان هذا الحادث لم يقع، وان الحجر لم يمكث كل هذه المدة بعيدا عن مكة وعن الكعبة، وما ذكر من أقوال متضاربة حول رد الحجر تكفي دلالة على انها اضعف من أوراق الخريف، فقد ذكر ابن الاثير ان أبا طاهر هو من رده، وذكر ابن الاثير نفسه في رواية اخرى ان ابا طاهر لم يقبل عرضا بحكم ولم يستجب لطلب الفاطميين والعباسيين برد الحجر الاسود، وان من رده هو سنبر بن حسن بن سنبر، وهكذا دواليك بقية الروايات الاخرى.

رغم ذلك، فالله أعلم بما جرى، وان كان ابو طاهر اقتلع الحجر الاسود حقا فِتلك مصيبة كبرى، وان كان لم يأخذه ولم ينقله فهذه الرواية ليست سوى محض خيال نسجته السياسة العباسية للمساس بسمعة أعدائها القرامطة كما فعلت سابقا مع الأسرة الفاطمية حيث شككت في صحة نسبهم العلوي مدعية انهم من أصل يهودي.

اما ما ذكره صاحب كتاب (المنطقة الشرقية حضارة وتاريخ) فهو محاولة يائسة لاثبات زيادة في قصة جلب القرامطة للحجر الاسود التي تحدث عنها أعداء الدولة القرمطية اذ يقول: وحمل الحجر الاسود والميزاب وأتى بهما الى بلاد القطيف وبنى بيتا سماه الكعبة" [29]  ولم يشر المؤلف الى مصدر او مرجع ذكر شعراً او نثراً للقرامطة ادعوا فيه هذا الادعاء. هذا ما قال الكاتب ثم يكمل زياداته على ما كتب المؤرخون فيقول: "وهذا المكان معروف موقعه حتى الان لدى غالبية اهالي القطيف وهو يقع بين "الجش وسيهات جنوب غربي مدينة القطيف" [30]  ثم يشير الى صورة لقصر قديم دائري الشكل ويقول انه المكان الذي وضع فيه الحجر الاسود وانهم سموه الكعبة.

وأغلب الظن ان الفطنة غابت عن القرامطة فلم يصنعوا الكعبة مربعة. ثم يكمل قائلا: "وقد حاول القرامطة ان يجعلوا من هذا المكان بديلا عن الكعبة ولكنهم فشلوا في حركتهم حيث جابههم ابناء القطيف بالرفض القاطع والمقاومة العنيفة" [31] . وهذا الرفض القاطع كالادعاءات السابقة لم يذكر لها مصدرا في كتابه، ولم يشر كما تردد او احتمال بين مكانين او اكثر لموقع الحجر الاسود بالجزم وكأنه رأى الحجر موضوعا في المكان المزعوم بعينه.

ورغم ان المؤرخين أنفسهم يشككون في وقوع الحادثة من أساسها، كما ان العام الذي بنيت فيه المؤمنية [32]  هو نفس سنة الاغارة على مكة، فان صح انهم جلبوا الحجر الاسود فلماذا لم يضعوه في المؤمنية حديثة البناء،.خصوصا انهم على - ما يزعم - أرادوا ان يحولوا مسار الحجيج الى هجر. وهذا يعني ان " ابا طاهر" مكث يخطط لنقل الحجيج من بلاده شهورا او سنوات على الأقل فلابد ان يعد لهذا المشروع الكبير مكاناً مناسباً ينجزه فيحضر الحجر الاسود ويدعو الناس لقصده والحج اليه. اما آخر بناء ذكره لنا التاريخ في تلك السنة فكان بناء مدينة المؤمنية [33] .


لماذا اختار القرامطة مدينة شبه داخلية لتكون عاصمة لدولتهم؟

قبل الاجابة على هذا السؤال أفضل أولا محاولة تحديد مكان "هجر" التي بنيت بجانبها عاصمة القرامطة الأحساء، لمعرفة موقعها لنتكلم عن مميزات هذا الموقع، ولا يغيب عن أذهاننا ان الأحساء والقطيف جناحا المنطقة الشرقية، فما يحدث هنا تصل اصداؤه كاملة هناك، خصوصاً الاحداث السياسية والعسكرية وما يواكبها من حملات بسط النفوذ على المنطقة، وهكذا بالنسبة للموقع الاداري أيضا فلابد ان تكون احداهما تابعة للأخرى إداريا. حين كانت المنطقة خاضعة للحكم الفارسي كانت السلطات العليا تتركز بيد الوالي الذي يسمى "مرزبان" وكانت المنطقة مقسمة اداريا الى قسمين، لكل قسم مرزبان خاص فهجر لها مرزبان مقره المشقر وللقطيف مرزبان مقره الزارة [34] .

وفي السنة التاسعة أرسل رسول الله ابان بن سعيد بن العاص لجمع الجزية بجانب العلاء بن الحضرمي، فكان كل واحد منهما على جهة من جهات البحرين يجمع المال منها [35] . والمقصود من الجهتين الوارد في الرواية اما ان تكون الجهة الأولى هي الخط وجزيرة أوال والثانية هي هجر، او يكون الجناح الأول هو الخط وهجر، والثاني أوال، وأقرب الظن ان جزيرة أوال والخط هي الجهة الأولى، والثانية هي هجر أو الأحساء اليوم، لأن الكثافة السكانية في هجر اضافة الى المساحة الزراعية تعادل الزراعة والسكان في كل من الخط وأوال مجتمعتين، والذي يدعو لترجيح هذا الرأي هي الاسباب التي سنذكرها في الكلام القادم تجنبا للتكرار.

اما عن هجر فقد ذكر فيدال ان:" موقع عاصمة المنطقة على مقربة من مدينة الهفوف الحديثة وكانت تسمى هجر، وهذا الاسم كان يطلق أيضا على المنطقة إذ يشمل مجموعة الواحات المحيطة بالمدينة" [36]  ويستنتج الباحثون [37]  من قول ابن الفقيه ان قصبة هجر هي الصفاء والمشقر والشبعات، انها كانت على جانب كبير من الاتساع بحيث يشمل عدة أحياء، ولو أن هذه الأحياء كانت منفصلة عن بعضها البعض، فقد وردت الاشارة ايضا الى ان ثمة نهر يجري بين الصفا والمشقر يقال له العين، مما يعني ان الأسماء الثلاثة كانت أحياء منفصلة تتكون منها مدينة هجر العظمى. وهذه المقولة تحتاج تفصيلا لمعرفة مواقع هذه المناطق الثلاث التي تتكون منها هجر.

أولا الصفا:

يقول ياقوت الحموي بأن الصفا نهر يتفرع من عين (محلم) والتي جاء في تعريفها انها منسوبة الى محلم بن عبد الله زوج هجر بنت المكنف.. وهي العين التي قال عنها ابو منصور الازهري: هي عين فوارة بالبحرين لم تر عيني أكثر منها ماء.. وماؤها حار في منبعه.. فاذا فارقه برد..ولهذه العين اذا جرت نهرها خلج كثيرة تسقي نخيل جواثا وعسلج.. وقرى من قرى هجر.. نجد أن هذا الوصف ينطبق على عين "الحارة" وهي موجودة الى هذا اليوم - التي تصل مياهها الى قرى البطالية والكلابية والعبة.. أما عسلج فيصفها بأنها قرية من قرى هجر غير معروف موقعها بالوقت الحاضر [38] .

وذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان: ان عسلج احدى القرى الدارسة في هجر وهي مشهورة بزراعة النخيل التي تروى من عين محلم وكانت معروفة حتى القرن الرابع الهجري على ما يفهم من كلام الأزهري.. ومما تجدر الاشارة اليه أنه يوجد في قرية الجبيل احدى قرى واحة الأحساء موضع يعرف بعسلج مما يوحي بأن القرية الدارسة كانت في تلك الناحية [39] .

ثانيا: المشقر

يقع حصن المشقر الى الشمال من مدينة هجر، وهو في نظر بعض الباحثين جزء من تلك المدينة إلا أنه يشكل في ذاته مدينة لها أهميتها. وقد وصفه ابن الأعرابي بأنه مدينة عظيمة قديمة تقع على قارة تسمى عطالة وفي أعلاها بئر تثقب القارة حتى تنتهي الى أرض وتذهب فيها، وماء هجر يتصلب الى هذه البئر في زيادتها، وعلاوة على وقوع الحصن فوق كل مرتفع فهو محصن تحصيناً قوياً، وقد جاء في مراصد الاطلاع انه من بناء طسم أو من بناء سليمان، وسكانه من عبد القيس. أما الحموي فيعرف المشقر بأنه "حصن يلي حصناً آخر يقال له الصفا.. قبل مدينة هجر وبين الصفا والمشقر نهر يجري يقال له العين [40]  التي مر ذكرها سابقا. يقول شاعر الأزد وهو يصف أماكن سيطرة قبيلته:

وأزد لها البحران والسيف كله     وأرض عمان ثم أرض المشقر

أظن ان الشاعر يقصد بِـ البحران جزيرة البحرين، والسيف هو الساحل الشرقي مروراً بساحل القطيف وساحل العقير، وأرض عمان هي عمان ويبقى المشقر فإن الوصف لا ينطبق إلا على هجر حيث كانت المنطقة المهمة فيها هي المشقر قبل ان تصبح جواثا هي قصبة هجر، وقبل ان تصبح الأحساء هي قصبة هجر.

في هذا الحصن "المشقر" وقع حادث الصفقة بين تميم والفرس، وملخص القصة كما رواها ابن الأثير أن تميماً أغاروا على أموال بعث بها عامل كسرى على اليمن، فوشى بهم عامله باليمامة "هوذة الحنفي" فكلف عامله بالبحرين المكعبر ليدبر مكيدة للقضاء عليهم، وكان ذلك وقت جذاذ التمر، فنادى مناديه فيهم ليحضر من كان من بني تميم فان الملك أمر لهم بميرة وطعام، فحضروا كلهم في حصن المشقر، وظل يدعو عشرة ويضرب أعناقهم، وأخيراً أحسوا بالمكيدة، فضرب رجل منهم سلسلة الباب بسيفه فاندفعوا كلهم وفروا هاربين [41] .

وثمة رواية أخرى [42]  للمقريزي في كتابه "ايقاظ الحنقاء" يصف فيها حصار أبو سعيد لهجر وهي تثير في ذهن القارئ بعض الاستفهامات، فقد قال: ولم يمتنع عليه الا هجر وهي مدينة البحرين، ومنزل سلطانها وبها التجار والوجوه فنازلها شهوراً يقاتل أهلها ثم وكل بها رجلاً وارتفع فنزل الأحساء وبينها وبين هجر ميلان، فابتنى بها داراً وجعلها نزلاً له، وتقدم في زراعة الأرض. ومضى في الكلام الى أن قال: هذا وهو لا يغفل عن هجر، وطال حصاره لهم على نيف وعشرين شهراً حتى أكلوا الكلاب.. ومضى في الكلام الى أن قال: ثم عاد في خيل فدار حول هجر يفكر فيما يكيدهم به، فاذا لهجر عين عظيمة كثيرة الماء تخرج من نشز من الأرض غير بعيد منها، يتجمع ماؤها في نهر يستقيم حتى يمر بجانب هجر ثم ينزل الى النخل فيسقيه، فكانوا لا يفقدون الماء في حصارهم، فلما تبين له أمر العين.. ثم رجع الى الأحساء وجمع الناس كلهم وسار في آخر الليل فورد العين بكرة بالمعاول والرمل، وأوقار الثياب، والخلقان، والوبر والصوف وأمر بجمع الحجارة ونقلها الى العين وأعد الرمل، والحصى، والتراب ثم أمر بطرح ذلك كله، فقذفته العين ولم يغير ما فعله شيئا، فانصرف الى الأحساء بمن معه وفر بالخيل، فضرب البحر حتى عرف أن منتهى العين في ساحل البحر وانها تنخفض كلما نزلت، فصرف جميع من كان معه وانحدر على النهر نحوا من ميلين وأمر بحفر نهر هناك، وأقبل يركب هو وجمعه في كل يوم العمال يعملون في حفرة الى السباخ، ومضى الماء فانصب في البحر ثم سار فنزل على هجر وقد انقطع الماء عنهم ففر بعضهم وركب البحر ودخل بعضهم في دعوته وخرجوا اليه فنقلهم الى الأحساء.

ونقل أبو علي غريب بن سعيد ان الحصار دام أربع سنين فقد وضع القرمطي السيف في رقابهم وقتل منهم ثلاثمائة ألف بالقائهم أحياء في النار، وتمكن قليل منهم من الفرار الى جزيرة أوال ولم يبق في هجر يومئذ على قيد الحياة إلا عشرون رجلا. هذه الرواية تشير الى أن الحصار وقع على هجر وهي سهلة التضاريس ولم يكتشف المحاربون وجود العين الرئيسية إلا بعد نيف وعشرين شهراً وهذا مستبعد جدا، خصوصاً ان المهاجمين هم من القبائل التي تجوب وتتردد على هذا المكان لأخذ الميرة وغيرها.. كما أن نهراً مكشوفاً على سطح الأرض في منطقة أعز شيء فيها الماء، فلا يرى ولا يكتشف هذا الشيء جد غريب، خصوصاً مع هذه المدة الطويلة، وكيف لم يخطر على ذهن هذا القائد وجيشه أن يلتف حول هذا الحصن فيكتشف وجود النهر في الشهر الأول أو على الأقل الثلاثة شهور الأولى للحصار، وهذا يدعونا الى الاستنتاج التالي:

إما أن يكون زمن الحصار مبالغاً فيه وهذا ليس ببعيد، وأن يكون ابو سعيد قصد تأجيل الهجوم على هجر لسبب ما. أو تكون رواية النهر والعين قد أخذها المؤرخون بالنقل الذي تشوبه كثير من الاشتباهات، والنقصان أو الزيادات، وكيف يضرب في البر فيصل الى البحر؟! وأي بحر هذا الذي يقرب من هجر حتى يحرف النهر اليه من حصن هجر. وفي الرواية شيء مثير للاستغراب، وهو ان أبا سعيد حين تمكن من الحصن قتل ثلاثمائة ألف بـإلقائهم أحياء في النار، وأي حصن هذا الذي يحمل هذا الحشد من الناس ولمدة عشرين شهرا ونيف وعلى رواية أربع سنوات، أظن أن هذا المؤرخ قد خلط في معلوماته، بين حصار حروب الردة [43]  التي خاضها العلاء الحضرمي في هجر وحروب أبي سعيد القرمطي.

إذ جاء أن أبا العلاء حاصر الزارة حصاراً دام طوال مدة خلافة أبي بكر أي قرابة الأربع سنوات ثم اكتشف العين التي تسقي الحصن فردمها، وهذا السياق يوضح أن سبب سقوط هذا الحصن هو ردم العين، وأقرب ما يكون ان اكتشاف العين ما هو إلا أحد العوامل المساعدة فقط، واكتشاف العين بعد أربع سنوات مستبعد لان الحصن في مثل موقع الزارة التي تقع على ساحل البحر من السهل الوصول إليها واكتشافها فلماذا التأخير الذي دام مدة خلافة أبو بكر، كما أن وصف النهر وأنه ينتهي الى البحر، لا يصلح لموقع الزارة حيث انه مشى آخر الليل فوصل بكرة أي انه مع طلوع الصباح وصل، وهذه مسافة ليست ببسيطة لأنه من المستبعد كون الزارة بهذا البعد عن شاطئ البحر، كما أن أبا سعيد ابتعد ميلين ليحفر النهر ويحرف مجرى المياه. وهذا أيضا لا داعي له لأن البحر قريب جداً وهذه المسافة لا جدوى منها، ان الاشتباه والخطأ في الكتابات التاريخية محتمل ومتوقع حتى ممن يعاصر الحدث، فكيف بمن يكتب عن حدث وقع في زمن لم يعايشه، وما وقع فيه ناصر خسرو شاهد العيان الذي كتب عن الأحساء في زمن القرامطة خير دليل على ما نقول، إذ نسي أن يذكر مسجد جواثا الموجود في الأحساء رغم إقامته هناك لفترة تكفي للاطلاع على أدق التفاصيل للمنطقة خصوصاً مسجد جواثا الذي له شهرته كأول مسجد بُني في المنطقة، وثاني مسجد أقيمت فيه الجماعة في تاريخ الاسلام.

نعود بعد هذا الاستطراد للإجابة عن السؤال المتقدم الذي قدمنا له بمناقشة موقع هجر، ورواية المقريزي، السؤال يقول: لماذا اختار القرامطة مدينة شبه داخلية لتكون عاصمة لدولتهم؟

إن الحاجز الطبيعي المكون من المناخ الصحراوي، والكثبان الرملية القاحلة التي تحيط بهجر جعلها حصينة ضد أطماع الطامعين، واعتداء الغزاة اذ يحدثنا التاريخ عن الملك السلجوقي "انطيوخس الثالث" حين سمع عن خيرات أهل هجر وان عماد ثروتهم الذهب والفضة [44]  أرسل أسطوله عند ساحل الخط [45]  قاصداً من ذلك الاستيلاء على كنوز هجر، لكن أهلها خوفاً منهم على مدينتهم أرسلوا اليه رسولا يحمل رجاء ألا يسلبهم نعمة السلام، والحرية ولما ترجم خطابهم للملك أجاب طلبهم "فبعثوا إليه هدايا ثمينة [46]  اشتملت على خمسمائة تالات من الفضة وهي تعادل ثلاثة عشر ألف وثمانين (كجم) ومائتان من الطيب المسمى بالميعة أي ما يوازي خمسة آلاف ومائتين واثنين وثلاثين (كجم) وبعد أن تسلم انطيوخس الثالث هداياهم هذه قفل عائدا الى بلاده.

وربما كانت الصحراء القاحلة وما تحمله المغامرة عبر مفارزها السبب الرئيسي الذي اقنع الملك بالعودة عن عزمه [47]  وكان سابور ذي الأكتاف حين نقل العرب من شط الفرات انزل جماعة منهم العقير [48]  عقاباً لهم وإبعادا لهم عن منطقة الأحداث التي كانوا فيها، فكانت محطتهم الرئيسية التي سيصلون اليها عبر قوافل الجمال هي هجر، وبذلك لن يصبح لهم أي تأثير على استقرار منطقة الفرات.

يستشف من ذلك أن هجر منطقة سهلة ممتنعة مما جعل سابور ينفي أعداءه اليها. ومن المأثور قول عمر بن الخطاب: "عجبت لتاجر هجر وراكب البحر" لشدة المخاطر التي يتعرض التاجر لها في تنقله في تلك البيد والصحارى، ولكن هناك جهة أخرى جعلت من موقع هجر سهلاً ممتنعاً، يحميها من الأعداء، صعوبة الطقس والصحراء القاحلة التي تحيط بها، فتحوز على الأمن والسلام والحرية من الضغوط السياسية والتسلط، وكذلك تصلها قوافل التجار من كل حدب وصوب كما سيأتي، وتخرج منها القوافل الى كل الاتجاهات، وذلك بفضل وجود الساحل القريب نسبياً المتمثل في ميناء العقير، والقطيف، والزارة كما ذكر "ش. ف. فيدال" بقوله: ولم يكن الوصول الى الأحساء أمراً صعباً حتى قبل استخدام السيارات، فهناك طرق معروفة للقوافل تربط بين الهفوف والقطيف ويبرين والكويت، ومن بين تلك الطرق جميعاً فان أكثر الطرق تفضيلاً هو الطريق الواصل بين العقير والهفوف، ومن ثم الى الرياض والمنطقة الغربية [49] .

تعد المسافة بين ميناء العقير وقرية الجشة بمثابة رحلة سهلة تبلغ متوسط مسيرة يوم للابل، وتتوفر في هذا الطريق مجموعة من الآبار مثل أم الزر، وشاطر، والتي تقع بشكل مناسب على طول الطريق بين العقير وقرية الجشة، وعادة إذا غادرت القافلة ميناء العقير عند شروق الشمس وتوقفت وقفات قصيرة عند الآبار للتزود بالمياه، فانها تصل الجشة أو حتى قرية الجفر الواقعة على بعد ميلين الى الغرب منها مع حلول الليل أو بعده بقليل [50]  وهذه المسافة تقدر بـ (60) ميلاً عن مدينة الهفوف [51] .

هذه السهولة المشوبة ببعض الصعوبات ساهمت في حماية المدينة، لأنها هيأت الظروف المناسبة لنمو رؤوس الأموال، ونشاط التجارة، ففي القرن الرابع الهجري إبان حكم القرامطة للبحرين كان ميناء العقير على درجة كبيرة من النشاط، فقد كانت دهليز الأحساء ومصب الخيرات منها واليها، ولهذا عمد العوام بن محمد بن يوسف الزجاج من عبد القيس الى تدمير ميناء العقير للضغط على القرامطة في أعقاب استيلائه على جزيرة أوال في العقد الثالث من القرن الخامس الهجري، وكانت العقير آنذاك المنفذ البحري الوحيد لاتصال القرامطة بالعالم الخارجي في مجال التجارة، لأن بني العباس كانوا قد استولوا في تلك الفترة على مدينة القطيف [52] .

يقدر متوسط حجم التجارة التي تعبر من خلال هذا المرفأ بأحمال مائتين الى ثلثمائة جمل ترحل من العقير اسبوعياً الى داخل البلاد [53] . هذا بالاضافة الى خصوبة التربة ووفرة المياه مما دعا بني أجود، والجرهائيين، والعثمانيين والخوالد، والعيونيين، وآل الجنابي الى اتخاذ موقع الأحساء اليوم حاضرة لملكهم.

وجاء في تاريخ العرب قبل الاسلام: "كان الهجريون من أغنى العرب، وأسقف بيوتهم من الفضة وأبوابها من الذهب..كما زينوا مساكنهم بالعاج والفضة، والأحجار النفيسة الغالية.. كما اتخذوا من الذهب والفضة كؤوساً وآنية [54] . لقد كان هذا الاقليم منذ فترة موغلة في القدم يشكل جزءاً هاماً من أرض الجزيرة العربية، ذلك لخصب أراضيه، ووفرة مياهه بالاضافة الى كونه ملتقى للطرق التجارية الهامة التي كانت تربط الجزيرة العربية بفارس والهند، وبلدان شرق أفريقيا، وبعبارة أخرى، كانت الأحساء احدى نوافذ الجزيرة العربية على مياه الخليج، وكانت موانئها "كالعقير" و"القطيف" من أهم موانئ شرق الجزيرة العربية.

[1]  ـ تاريخ هجر الجزء الثاني - عبد الرحمن بن عثمان الملا.ص 534.
[2]  ـ تاريخ هجر ج2 - ص 542.
[3]  ـ تاريخ اخبار القرامطة - ثابت بن سنان - ص 195.
[4]  ـ ناصر خسرو المولود سنة 394 هـ مسلم سني أجاد العربية والفارسية باتقان، وقد شهدت خراسان في بداية القرن الخامس نشاطاً دينياً كبيراً تجلى فيه الصراع بين مختلف المذاهب والفرق، وتأثر ناصر خسرو بهذا الصراع فعايش الشكوك فترة من الزمن، ثم تحول من السنة الى الشيعة لكن ذلك لم ينه حالة الشك لديه، فقد احتار الى أي فرق الشيعة ينتمي، وهنا عزم على الرحيل بحثاً عن الحقيقة ودامت رحلته سبع سنوات وصل فيها الى القاهرة ثم الحجاز، ثم الأحساء، ثم البصرة، ثم عاد الى خراسان وكان ذلك عام 444هـ، وابتداء رحلته كان سنة 437هـ. نقلا عن أخبار القرامطة - الدكتور سهيل زكار ص 58
[5] ـ دولة آل الجنابي "لم تسم باسم" لكن على ما يظهر ان هذه الدولة كانت تسمى باسم الاسرة الحاكمة"دولة آل الجناب" وذلك نستنتجه من خلال الكيانات السياسية الموجودة في تلك الحقبة التاريخية كالدولة الفاطمية نسبة للخليفة الفاطمي في المغرب، والدولة العاسية نسبة الى حكامها بنو العباس
[6]  ـ تاريخ اخبار القرامطة -ص 69.
[7]  ـ سفرنامه- ناصر خسرو ص 93.
[8]  ـ المصدر السابق.
[9]  ـ هذا نقلاً عن ناصر خسرو، ولا أدري كيف غاب عنه وجود مسجد جواثا الذي بني في عهد الرسول ، لكنه ذكر وجود مسجد بناه شخص فارسي ليستقبل فيه الحجاج، ربما يكون هو مسجد جواثا.
[10]  ـ القرامطة بين الدين والثورة - حسن بزون-ص 111.
[11]  ـ تاريخ هجر ج 2-ص 527.
[12]  ـ القرامطة بين الدين والثورة - ص144.
[13]  ـ تاريخ هجر ج 2- عبد الرحمن بن عثمان الملا.ص 534.
[14]  ـ القرامطة بين الدين والثورة ص 146.
[15]  ـ ثلاثيات الحلم القرمطي - محي الدين اللاذقاني -ص 42.
[16]  ـ ابن الاثير ـ الكامل في التاريخ- المجلد السادس ص 147.
[17]  ـ العبر المجلد الثالث- ابن خلدون-ص 377.
[18]  ـ ثلاثيات الحلم القرمطي - ص 43.
[19]  ـ المصدر السابق ص 82.
[19]  ـ اخبار مكة وما جاء فيها من الاثار - الطبعة الثانية 1969م ص 346 المؤلف ابو الوليد محمد بن عبد الله أحمد الأزرقي.
[20]  ـ ثلاثيات الحلم القرمطي- ص 45.
[21]  ـ القرامطة بين المد والجزر -مصطفى غالب - ص 410.410.
[22]  ـ القرامطة بين المد والجزر -مصطفى غالب - ص 410.
[23]  ـ القرامطة بن الدين والثورة - ص 143.
[24]  ـ ثلاثيات الحلم القرمطي - ص 83.
[25]  ـ معجم الادباء ج 2 ياقوت الحموي ص 147.
[26]  ـ منطقة الأحساء عبر أطوار التاريخ -خالد بن جابر الغريب-ص 135.
[27]  ـ القرامطة بين المد والجزر - مصطفى غالب- ص 110.
[28]  ـ المصدرالسابق ص 410. أحسب ان هذه الرسالة كانت لاعتداء عام 311هـ الذي لم يؤخذ فيه الحجر الاسود، وان اشتباها ما وقع فيه الكاتب والله العالم، ولم أجد نصاً للرسالة التي قال عنها عام 317هـ ومن قبل المقتدر فيما توفر لي من مصادر.
[29]  ـ المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية حضارة وتاريخ-محمد علي صالح الشرفاء- ص 191.
[30]  ـ المصدر السابق- ص 192.
[31]  ـ المصدر السابق.
[32]  ـ اسم لأول مدينة بناها أبو طاهر الجنابي لتكون عاصمة حكمه.
[33]  ـ صفحات من تاريخ الأحساء - عبد الله بن أحمد الشباط ص 214.
[34]  ـ واحة على ضفاف الخليج "القطيف" - محمد سعيد المسلم-ص 192.
[35]  ـ منطقة الاحساء عبر اطوار التاريخ- ص 47 نقلا عن فتوح البلدان للبلاذري ص 89
[36]  ـ واحة الأحساء - تاليف: ف.ش. فيدال- ترجمة د. عبد الله بن ناصر السبيعي، وقد ذكر أنه يحتمل ان يؤدي مسح آثاري دقيق لسطح المنطقة، اذا ما تم، بين الواحة وبقعة الفوار الى تحديد موقع هجر دون صعوبة تذكر المصدر السابق ص 27.
[37]  ـ سعد زغلول عبد الحميد، البحوث المقدمة للجنة تدوين تاريخ قطر، الجزء الأول ص 24، نقلاً عن تاريخ هجر ص 144.
[38]  ـ صفحات من تاريخ الأحساء-ص 53.
[39]  ـ تاريخ هجر الجزء الأول- تأليف عبد الرحمن بن عثمان آل ملا، ص 187.
[40]  ـ صفحات من تايخ الأحساء- ص 106.
[41]  ـ واحة على ضفاف الخليج " القطيف" -ص 192.
[42]  ـ تاريخ هجر المجلد الأول- ص 146.
[43]  ـ اثناء حروب الردة بعد وفاة الرسول "ص" قاد ابو العلاء الحضرمي جيوش الخلافة حيث فك حصار هجر ثم عطف الحضرمي على القطيف يسانده أهل هجر بقيادة الجارود ليستعيد القطيف، ودارين، ثم ليحاصر الزارة التي احتمى فيها المكعبر مع فلول الفرس.
[44]  ـ تاريخ الأحساء السياسي- د. محمد عرابي نخلة- ص 24
[45]  ـ تاريخ هجر، المجلد الأول - ص 131. وجاء في مروج الذهب للمسعودي ان مدينة القطيف والزارة هي ساحل هجر، وحدد ابن خرداذبة ساحل هجر بأنه المنطقة الواقعة شمال العقير.
[46]  ـ تاريخ الأحساء السياسي - ص 24.
[47]  ـ تاريخ هجر، المجلد الأول- ص 170.
[48]  ـ تاريخ هجر، المجلد الأول - ص 170.
[49] ـ واحة الأحساء ص 40- ف.ش.فيدال.
[50]  ـ المصدر السابق - ص 40.
[51]  ـ تاريخ هجر، المجلد الأول - ص 169.
[52]  ـ تاريخ هجر، المجلد الأول-ص 170.
[53]  ـ المصدر السابق - ص 170.
[54]  ـ صفحات من تاريخ الأحساء -ص 53.