ألبوم الصور
من كتاب «الخليج في خرائط تاريخية» للشيخ سلطان القاسمي «حاكم
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3226556
جبل القرين: طلسم سيهات الغامض
واحة القطيف - « موقع سيهات للتراث » - 16 / 6 / 2005م - 6:08 ص

جبل القرين أو ما يطلق عليه أهل سيهات «الگرين» طلسم لا يقل غموض كينونته عن المكان الذي هو فيه ومن أي زمن غابر يمتد شموخه وشيخوخته، مر عليه الأولون بأساطيرهم الشعبية فقالوا أن ما وقف عليه من صخر وما سكن فيه من حجر هو بشر خسفتهم السماء لكفرهم بنعم الرب ذات مساء، ومر عليه آخرون من أقاصي المعمورة بقبعتهم الاستكشافية فركزوا فوق قمته راية ونيشان، ولم يصل بحد علمهم وافتراض نظريتهم إلى أبعد من احتمال أن الحضارة الأزدرتشتية استعمرت المكان في حقبة ما قبل الميلاد بثلاثمائة وعشرين سنة فاستخدمته المثوى الأخير لموتاهم وبمعنى آخر هو بمثابة ما يستعمله أتباع هذا المذهب وخصوصا في الهند حاليا كبرج الصمت، وهنا نقدم دراسة لأحد المستكشفين «William A. Goellner» الذي ختم بحثه بجملة يقول فيها «هذه مجرد سعي أقدمه كنظرية قد لا تثبت صحتها أبدا».

كشف حفريات جبل القرين

على بعد ثلاثة كيلومترات من داخل مدينة سيهات في واحة القطيف يقع هناك تل رملي به متحجر يعرف باسم «جبل القرين»، والذي يطلق عليه في الماضي «بالمريقبات»، والسبب في اختلاف المسميات غير معروف. يرتفع جبل القرين أربعين قدم عن مستوى المنطقة الزراعية المحيطة به. يحده شرقا من جهة البحر مزرعة للدواجن ومن الغرب منشئة صناعيّة ويطل على الناحية الجنوبية بالطريق المؤدي غربا إلي طريق الدمام-الجبيل السريع. جبل القرين مسوّر في الفترة الحالية بشبك حديدي يصعب معه الارتقاء إلى قمته بالسيارة مثل ما كان مستطاع في الماضي.

استخدم جبل القرين في زمن المستكشفين الأوائل كموقع للمسح الأرضي  وكذلك وضع في قمته سارية علم من قبل فريق المستكشفين الأواخر. يغطي جبل القرين أعشاب متفرقة أما قمته الحجرية فتأتي على شكل الحرف اللاتيني (S) منحنية بمقدار 280 قدم من الجنوب الغربي إلى الجنوب الشرقي. 

أما الجزء الصخري الظاهر فهو بسمك 15 قدم من ناحية الطرف الجنوبي وينحدر بميلان بمقدار 30 درجة غربا وهي عبارة عن أجزاء صخرية غير متصلة منحدرة نحو الجنوب الغربي بشكل غير متوازي  وتدل الثقوب في الجهات الخارجية من الصخر على مدى التأثر بعوامل التعرية الطبيعية.

يوجد على سطح الجبل ما يقارب من 30 حفرة  مستطيلة متناثرة هنا وهناك حيثما توجد مساحة كافية لحفرها، وهذه الحفر تختلف من حيث الاتجاه وكذلك المقاس ومستوى ميلان السطح المحفورة فيه والمعدل العام لأبعاد هذه الحفر هو ثلاثة أقدام طولا في عرض لا يتعدى قدمين بل وأقل من ذلك تقريبا، وبعض تلك الحفر لا يتعدى عمقها عدة بوصات وقد ملئت حاليا بالرمل الذي ينبت العشب فيه بحيث يجلي عن حوافها. ويلاحظ مراعاة استواء قاعدة الحفر وتجنب الميلان بها عندما تحفر على المنحدرات أو المرتفعات وبهذا يتفاوت ارتفاع الحفرة الواحدة هنا.

ولا توجد هناك أي مؤشرات لكون هذه الحفر هي من أثر استخدام هذا المكان كمقلع لأحجار تستخدم كحجر بناء كما هي عليه بعض المقالع الحجرية، ولكن لضحالة عمق الحفر ولعدم وجود أثر للأغطية الصخرية لهذه الحفر مثل تلك تلال المدافن «المقابر» الموجودة في منطقة جبل الشمالي، وبهذا اللغز المحّير لا يمكن تفسير هذه الحفر وبهذه الكيفية إلا أن تكون تستخدم ضمن طقوس لدفن الموتى تماما مثل تلك الحفريات المكتشفة في جبل بنت في مدائن صالح في الشمال الغربي للمملكة العربية السعودية. وهناك ملاحظة أخرى تثار على هيئة حفر جبل القرين وذلك لكونها لا تكفي لاستيعاب كامل جسد إنسان بالغ.

عندما نهبط من قمة جبل القرين منحدرين نحو الشارع المتصل به من ناحية الجنوب يوجد هناك على الطرف الآخر كتل صخرية منخفظة المستوى محاطة بنفايات، ومن الممكن جدا بأن هذه كتل الصخور هذه هي امتداد لنفس جبل القرين ولهبوط مستواه فقط فصل عنه من جرّاء زحف الرمال في الزمن الماضي.

يوجد على سطح هذه القطع الصخريّة حفر منخفظة العمق شبيهة لتلك الحفر الموجودة على جبل القرين، وهناك أيضا على حافة هذا الجزء الجنوبي ثلاث حفر كبيرة جدا يصل طولها إلى 12 قدما في أربعة أقدام عرضا أي ما تعادل 40 حفرة من تلك الحفر العادية، وينخفض ارتفاع المستوى الشمالي لهذه الحفر عن ارتفاع المستوى الجنوبي منها.

وكبر حجم هذه الحفر غير عادي الأمر الذي يضفي حيرة على شأنها،  ولعل التفسير الوحيد الذي يتبادر إلى الذهن ذلك بأن هذه الحفر الثلاث قد استخدمت لاحتواء عدد هائل من أجساد الموتي الذين هلكوا من وباء أو حادثة ما أو كارثة طبيعية حتمت مثل هذا الدفن الجماعي ولكن يبقى هذا الاستنتاج غير محتمل. ويبقى هذا اللغز محيرا لأي من الاستنتاجات وذلك لعدم وجود بقايا التكسيرات الصخرية لهذه الحفر،  وبهذا يبقى أمر هذا الحفريات محيرا وغير جلي.

التفسيرات المحتملة لحفريات جبل القرين

عند الوصول الأول إلى الجزيرة العربية في سنة 1955م، كان الدكتور ماثيوز (Mathews) الذي ترأس برنامج تعليم اللغة العربية بشركة الزيت العربية الأمريكية (آرامكو)، كان مهتما بآثار وحفريات ما قبل الديانة النصرانية في الجزيرة العربية. كانت توجد هناك دراسات متفرقة خلال الأعوام الأولى في مكتبة المقر الرئيسي لشركة آرامكو بهيوستن والتي لا يوجد بها ما يشير أو يوضح احتمالات سر هذه الحفريات، والمرجع الوحيد الذي عثرت عليه هي دراسة لكورنول (B. P. Cornwall) في مقالة بعنوان: «الجزيرة العربية قديما: الإحساء في عام 1941-1940م» «Ancient Arabia: Explanation in Hasa, 1941-1940» وخلال هذه الدراسة يشير (كورنول) لهذه الحفريات وطريقة حفرها برأي متردد فيه حيث يقول:

«على المنحدر الجنوب الغربي لمنطقة مريقبات يوجد هناك أكثر من عشرين إحفورة لافتة للنظر وهي مختلفة في الحجم والشكل، بعضها بحجم وقدره قدمين طولا في قدم عرض وثمانية بوصات ارتفاعا. والأخريات صغيرة بحجم تابوت صغير. بتفحص عن قرب وجدت هناك كتل من الحجر الرملية حفرت بصعوبة وبشكل غير عبثي وبالنقيض فإن عمل هذه الحفر يبدو إنها كانت تستخدم لغرض أساسي، ولكن كثير من هذه التجاويف لا يمكن أن تستخدم كمخزن لسوائل ولا تستوعب أيضا تابوت ذو حجم اعتيادي كبير، والتفسير الوحيد الذي يمكنني أن أقدمه هنا وبتردد كبير هو أنه في بعض الأزمنة الغابرة استخدمت هذه الإحفورات كـ (crude dakhma) أو برج السكون (Tower of Silence)، والذي يستخدمه أتباع الديانة الأزرادتشتية في تعرية أجساد موتاهم للطيور الجارحة والحيوانات المفترسة. الملك السيساني شابور الثاني (ٍSassanian Monarch Shapur II) الذي استقطن الإحساء في 320 قبل الميلاد، وقبل أن يصل كثير من الإيرانيين إلى سواحل المنطقة».
 

الزّرادتشتية ديانة قبل الإسلام

مؤسس لهذا العـقيدة الأزرادتشتية عرف باسم زورواستر (Zoroaster)، وكذلك عرف بـ (Zorathrusta)، المنحـدر من أذربيجان في إيران في العـقد السادس قبل الميلاد، وهذه الديانة تقول بوجود حرب بين إله الخير أهورا مازدا (Ahura Mazda) الذي يدعو الناس عمل الخير ليقاوم به إله الشر أهرميان (Ahriman) الذي يمثل الشر.

أهورا مازدا (Ahura Mazda) كان مسؤولا عن أعمال الخير والذي ارتبط اسمه بالخير والطهارة والحكمة، ولكن شيطانه سبب في الكوارث والأمراض والجفاف والهزات الأرضية والفيضانات وكذلك الموت. معـتقدات الأزرادتشتية هذه وردت في كتابهم المقدس الذي يسمى بأفيستا (Avesta) والذي يحتوي على 72 جزءا تشرح التعاليم المقدسة لديهم، وأتباع هذه الديانة يؤمنون بمبدأ الحرية التي  تحتم عليهم قدرهم وارتباطهم بالطقوس الدينية المعـقدة جدا ليحقق لهم بإتباعها الخلاص من الذنوب بعـد الموت.

وأهم هذه الطقوس هو هيكل أو معـبد النار والمسئول عنه أو القائم عليه يسمى ماجي (Magi) الذي فيه تضرم النار باستمرار ليكون شعارا لنور هداية إله الخير أهورا مازدا (Ahura Mazda) ولتبقى الشعـلة المقدسة في كل نفس بشرية.  والمؤمنون المتبعـون لهذه الشعـائر سوف يتحقق لهم الخلاص بعـد الموت (حسب اعـتقادهم).

ويعتقدون بأن الهواء والتراب والنار والماء  مسخرين لأتباع ديانتهم ولكي يتم تجنب تدنيس المقدسات والأرض فإن أجساد الموتى يرتبون في دوائر مركزية في الداخما (dakhmas) أو برج السكون (Tower of Silence) هذا المكان الذي تتحلل فيه أجسادهم إلى عوامل أوليّة وأشخاص جشعين.  ومازالت هذه الطقوس متبعة إلى هذا اليوم من قبل البارسيين (Parsees) في الهند (البارسي: زرادشتي منحدر من أصل اللاجئين الفرس المقيمين في بومباي وغيرها) الذين مازال لديهم برج السكون (Tower of Silence) بالقرب من هضبة ماليبار (Malabar Hill) المتكونة من بناء مشيّد بشكل دائري مع مقدّد القمة من الداخل بميلان منحدر من قضبان حديدية نحو فتحة في المنتصف.

يوضع الميت في هذه القضبان الحديدة ويعرى للطيور الجارحة التي تلتهم جسده بسرعة.  وتفتا ت بقايا العظام وتلقى عبر المنافذ إلى قاع البرج. ويتم التخلص من هذه البقايا بذرها في البحر. لكي تعود مرة أخرى ضمن دورة العناصر الأولية. وقد نشرت مجلة (National Geographic) منذ عدة سنوات في أحد أعدادها مقالا مصوّر مبيّن فيه كيفية ما يتم في أبراج السكون هذه (Towers of Silence).

ويعتبر هذا الأمر منفرا جدا من أصحاب الحضارة الغربية  الذين يتخلصون من موتاهم عبر هذا الأسلوب الذي يتم فيه حرق أو تعرض أجساد الموتى بالحرق أو تعريتهم للحيوانات المفترسة أو الطيور الجارحة.  ويبقى هذا الأسلوب مقدرا ومحترما من قبل بعض الحضارات في العالم. أما البسطاء من هنود أمريكا فإنهم يضعـون أجساد موتاهم على منصة معدة فوق مستوى الأرض وتركها لكي تتحلل. وفي بعض الحضارات تترك أجساد الموتى حتى تتحلل العظام وتوضع في جرار لتدفن مرة أخرى. وفي بعض الأحيان تصبغ العظام. من المحتمل أن هذه الصور من طقوس وعادات الدفن هي التي عند الفراعنة الذين يقبرون في مدافن الأهرامات الكبيرة التي تم إنشاؤها خلال ملايين من ساعات العمل البشرية التي رافقتهم من خلال الحياة التالية  التي تم فيها تجهيز المراكب الشمسية بكل الاحتياجات الضرورية ومذابح العبيد لتقوم على خدمة الفراعنة بعد الممات.

ولهذا فإن نظرية الدفن في أبراج السكون (Towers of Silence) للحفريات الموجودة في جبل القرين منطقية ومقبولة وذلك لأن جبل القرين سطحه صغير وتماسك قاعدة الصخور غير ممكنة وكذلك لأن جبل القرين كان يقع بعيدا عن أقرب منطقة سكنية ولهذا فهو كان مناسب للتخلص من أجساد الموتى من قبل الطيور الجارحة أو من قبل الحيوانات المفترسة هناك. وبتطابق طقوس الزرادشتية المعتقدين بعدم تحلية أو تزين أجساد الموتى بل عليها أن توضع في الحفريات لتترك معراة ومكشوفة.  لذا فإن هذه النظرية أو هذا الرأي قد يكون له مسوّغ حين نعرف بأن جزيرة تارورت كانت موطن للزرادتشتين الذين قبل الإسلام، وبجانب هذا فإن هيكل النار كان ضروري بأن يوجد هناك موقع  مختار للداخما (dakhma) للتخلص من أجساد الموتى تبعا لعقيدتهم. ولهذا يجب أن يكون هذا الموقع بعيدا عن المواطن المسكونة بالبشر ويكن على مرتفع بحيث يكون مأوى للطيور الجوارح من النسور وفي منطقة مكشوفة وبهذه الصفات فإن جبل القرين يتضمن جميع هذه المواصفات كلها.

ولكن يبقى هذا الرأي مجرد نظرية  قد لا تثبت أبدا.