جزيرة تاروت أرض الحضارات
واحة القطيف - 17 / 11 / 2004م - 12:19 م


تكاد تكون آثار الاستيطان البشري في المنطقة الشرقية أكثر وضوحاً منها في آخر جزء بالمملكة وسبب ذلك يرجع إلى عدة عوامل أهمها اشتهار المنطقة لتوسطها بين مراكز الحضارات القديمة وإشرافها على جزء كبير من ساحل الخليج العربي الذي سبق وأن لعب دوراَ هاماً في مجالات الاتصالات البشرية والتجارية وبين شعوب تلك الحضارات منذ أكثر من خمسة آلاف سنة فقد انطلقت من شرق الجزيرة إشعاعات ثقافية امتزجت مع ثقافات الأقطار المجاورة, فتكونت منها دوائر حضارية كانت ذات شأن في تاريخ الشرق القديم.

وكأن من البديهي أن تنعكس آثار تلك الإسهامات في أرض المنطقة ذاتها على شكل مستوطنات ومخلفات تؤكد نتيجة ذلك العطاء عند ما قامت حضارات زاهية على طول الساحل الشرقي وما سامته من الأرض وخصوصاً نحو الشمال حيث تمخضت عنها حضارة سومر التي تعود إلى الألف الخامس قبل الميلاد والتي كانت المقدمة الأولى للحضارة الإنسانية بين النهرين.أما في الشمال الشرقي لمنطقة الخليج فهناك مركز الحضارة العيلامية(الفارسية القديمة) التي تعود إلى نفس الفترة والتي قامت في (سوزا) وما جاورها من بلاد فارس, حيث التقت شرقا حضارة نهر السند الشهيرة بحضارة موهنجودارو والتي لازال العلماء يختلفون كثيراً في تحديد نشأتها وامتدادها.على الأرجح فأن تاريخها يرجع إلىماقبل4500 سنة تقريباً. وبالطبع جميع هذه المناطق الحضارية ظلت مع المنطقة في إطار تبادل تجاري وثقافي عبر القرون حسب ما أوضحت تلك الأبحاث والدراسات الحديثة التي قامت في أقطار ساحل الخليج شمالية وشرقية.

جزيرة تاروت:

جزيرة تاروت تقع على الخليج العربي مما يلي القطيف بالمملكة, وتتصل بالقطيف بجسر طبيعي بطول أربعة كيلومترات, وتقع مدينة تاروت التاريخية في قلب الجزيرة ومن أهم مراكزها:سنابس في الشرق, ودارين في الطرف الجنوبي والربيعية في الوسط, وقد اكتشف بالجزيرة آثار هامة يرجع بعضها إلى فترة عصر فجر السلالات الأولى لبلاد مابين النهرين (أي قبل مدة تتراوح بين 4000و5000 عام), أما البعض الآخر فيعود إلى فترات زمنية مختلفة معاصرة للحضارة العيلامية, وحضارة أم النار التي قامت بالمنطقة الجنوبية من الخليج العربي والتي تم اكتشاف بقاياها في أبو ظبي بواسطة البعثة الدنمركية سنة1966م أو الأبحاث الجديدة.

أما بالنسبة للعصور الزمنية القديمة التي سبقت نشوء الحضارات فقد عثر بالمنطقة على العديد من المستوطنات التي تعود إلى فترة العصر الحجري وما تلاه من الأزمنة التي تطورت خلالها حياة الاستقرار وصنع الفخار, وتنتشر مواقع العصر الحجري في كل من واحة يبرين في جنوب المنطقة الشرقية والتي تعود فترتها الزمنية إلى عشرة آلاف سنة سابقة, وعلى مشارف الربع الخالي, وعين دار وكذلك الجزء الشمالي من المملكة على امتداد وادي الباطن, وكل تلك الدلائل المشار إليها تؤكد ما أسلفناه عن قيام تبادل ثقافي مع البلدان المجاورة, وهو نفس ما يستفاد من الأبحاث الأثرية التي أجريت في واحة القطيف والأحساء والتي أسفرت عن وجود مواقع سكنية تعود إلى ما قبل الألف الخامس قبل الميلاد وتتصف بانتمائها إلى عصر العبيد (بضم العين) التي نشأت في جنوب بلاد مابين النهرين (العراق حالياً) وكون القاعدة الأساسية التي بنيت عليها حضارة السومريين هناك, فمواقع العبيد منتشرة في المنطقة الشرقية على مقربة من قرية المراح بالأحساء مثلاً عثر على موقع من عصر العبيد من طبقات سكنية متعددة يعود قديمها إلى فترة العصر الحجري الحديث الأمر الذي يدعو إلى الاعتقاد بأن ثقافة العبيد نفسها تطورت ثم انتشرت شمالاً إلى بلاد مابين النهرين. ويؤكد هذا الاعتقاد اكتشاف مواقع أخرى من عصر العبيد تعود إلى فترة زمنية لاحقة في كل من منطقة الدوسرية جنوب (الجبيل) وعلى تل أبو خميس بمنطقة رأس الزور.

فبوادر الاتصالات الثقافية والتجارية بين مراكز الحضارات المحيطة بالخليج العربي يمكن رؤيتها أيضاً في منطقة جنوب الظهران والذي تعود فترته الزمنية إلى الألف الثاني والثالث قبل الميلاد, حيث عثر على عشرة أختام أثبتت العلاقات التجارية والاتصالات بين تلك الدول القديمة في تلك الفترة مثل بلاد الرافدين والهند والسند وبلاد فارس, ويمكن مشاهدة بعض هذه الأختام في المتحف الإقليمي بالدمام, واستمر هذا الدور من العلاقات إلى القرن الثالث قبل الميلاد, والتي تأثرت به الممالك العربية القديمة مع الحضارات السائرة على الجزيرة كالحضارات الهلنسية(الإغريقية) والرومانية والساسانية والتي تفصح عنها عدة معالم أثرية في المنطقة.

أن أول نص متقدم ورد فيه اسم لتاروت هي إشارة المؤرخ اليوناني كلوديس بطليمي – بطليموس (Claudius Ptolemy) بأنها سميت في الخريطة بـ « ثارو Tarro» وكأن هذا الدليل اليوناني الأول أما بالنسبة للصينيين فقد وردت في كتاباتهم القديمة tarrout – taru – taro – tarouh, مع أن خريطة بطليموس من التي يعتمد عليها في جغرافية الشرق القديم لأنها تحمل أسماء مدن وأنهار وقبائل وجبال, وخارطته لبلاد العرب الميمونة لا توضح شبه جزيرة قطر بينما توضح لنا البحرين جزيرة صغيرة!!.. وقد وردت تسمية جزيرة تاروت عند كثير من الأقوام حسب اختلاف لغاتهم التي عاصرتها بما يجود لفظ – تيروس – tyrus- وتاروس -tarrus-وتارو tarru- وثارو tharro, وصحفت تاروت وطاروت وطارود « tarot or tarrout or tarut o tarout», وغيرها من التسميات التي أطلقتها كل أمة على هذه الجزيرة حسب لغتها القومية وهي تعتبر واضحة المعالم, فأنها مشتقة من اسم (عش تاروت) أو (عشتاروت) أو (عشتروت) أو (عشتروته) وهذا ما يتضح أنه الاسم الأصلي لهذه الجزيرة.

وعندما كأن الفينيقيون يقطنون هنا في الخليج العربي أطلقوا هذا الاسم على هذه الجزيرة نسبة لمعبودتهم (عشتاروت) معبودة الحب والجمال, بينما لم نتوصل حتى الآن إلى تسمية الجزيرة قبل هذه التسمية الفينيقية, وما يبديه الاسم لنا لا اعتقد في نظري أن جزيرة تاروت كانت تمثل مركزاً سياسياً بالنسبة للفينيقيين فقد دلت النصوص الأثرية بأن المراكز السياسية كانت في بلاد وادي الرافدين وما أراه واضحاً حسب ما أعرفه حالياً أن جزيرة تاروت كانت مركزاً دينياً ومحجة للفيانقة, وقد أخذ الفينقيون تسمية مدنها القديمة إما بتسمية متشابهة لها في المعنى, أو محرفة عنها, وقد تتدخل في المعنى أو بإضافة تسمية أخرى كما هو الحال في عصرنا حيث يضاف للمدن الجديدة بعض الكلمات كاسم الحاكم مثلاً, أو المنطقة, أو كلمة جديدة, بينما التسمية هي نفس التسمية القديمة, وقد أورد الشيخ محمد بن صالح الفارس فقال: ولقد دلت آثار الفيانقة على حضارة زاهرة باهرة, كما أنهم كانوا كالبدو الرحل, دأبهم الترحال و النزوح من بلد إلى آخر ومما عرف أنهم كانوا يطلقون اسم البلد السابق على اللاحق, وهذا الكلام لا غبار عليه كما هو واضح من النصوص الجغرافية والأثرية التي تتبع تاريخ الفينيقيين.

وقد ذكر الأستاذ محمد سعيد المسلم في كتابه(ساحل الذهب الأسود) قال أن تسمية الفينيقيين مشتقة من كلمة « فينيقس pheinicies » وهو لفظ يوناني معناه النخيل وقد أطلق اليونانيون هذه التسمية على الفينيقيين حتى غلب عليهم فعرفوا واستدل الأستاذ المسلم على هجرتهم ونزوحهم من هذا المكان إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط بعد أدلة منها أنهم سموا المدن التي يسكنوها هناك بأسماء المدن التي هنا مثل يود تاروس ,أي تاروت ودارين, وتايلوس أي دلمون والخط الجبيل وسنابيوس أي سنابس وهي إحدى قرى جزيرة تاروت وهي إحدى جزيرة البحرين وكذلك أراديوس في البحر الأبيض المتوسط وهي عراد في جزيرة البحرين وكذلك من التسميات في الخليج نجد الأزوار وهي الانحناءات أو المنعطفات الهلالية في رؤوس الأرض وأطرافها من اليابسة, فهناك الأزوار في البحرين والكويت وقطر بالإضافة إلى شرق المملكة, فالزور قرية في جزيرة تاروت وقرية في جزيرة فيلكا وغيرها الأزوار.

قلعة تاروت:

والقلعة تتكون من بناء شبه بيضاوي غير منتظم الشكل, ولها سور خارجي دعم بأربعة أبراج مخروطية بقي منها البرجان الغربيان, وقد جرى آخر ترميم لهذه القلعة من قبل وكالة الآثار عام 1404هـ/1984م.

وأقدم ذكر لهذه القلعة ورد في الوثائق الخطية البرتغالية والعثمانية, فتذكر الوثائق البرتغالية أن مجموعة القوات البرتغالية تمركزت في جزيرة تاروت, وسارعت إلى ترميم القلعة في السادس من شهر محرم عام 951هـ. ومن المؤكد لدينا أن القلعة قديمة استغلت لفترة قصيرة من قبل القوات البرتغالية ثم العثمانية ورغم أنه ليس لقلعة تاروت ذكر في المصادر التاريخية القديمة فإنه من الأرجح أنها ربما كانت من قلاع الدولة العيونية خلال المدة 469-639هـ. شيدت هذه القلعة فوق أنقاض أساسات مبان قديمة تعود إلى الألف الثالثة ق.م حيث يمكن للزائر أن يشاهد تحت أساسات القلعة مجموعة من الحجارة المصقولة والمتراصة بشكل منتظم تمثل مبنى أقدم, يقع إلى جوار هذا المبنى نبع ماء عميق يتصل بقناة تؤدي إلى بركة حجرية مكشوفة مما حدا بالبعض أن يرجح أن المبنى ربما كان هيكلاً للمعبودة الوثنية عشتاروت أو عشتار- معبود شعوب الخليج العربي وبلاد وادي الرافدين منذ عصور فجر السلالات- التي أشتق اسم المدينة تاروت منها.

أما عن أهم المواد المكتشفة تحت أساسات القلعة فهي: تمثال من الحجر الجيري يحمل سمات التماثيل المميزة التي تنتمي للحضارة السومرية, وإلى جانبه مجموعة من الأواني الفخارية ذات اللون الأصفر البرتقالي من فخاريات فضر السلالات الأولى 2900-2750ق.م, وأوان أخرى كبيرة ذات أبدان جؤجئية وحواف مثلثة الشكل تمثل الأنواع المميزة للفخاريات ( جمدت نصر ) في بلاد ما بين النهرين, بالإضافة إلى تشكيلة من فخاريات دلمون وباربار المضلع الشكل, وهي فخاريات تنتمي إلى الألف الثالث ق.م بينما عثر في الطبقات السفلى على كسر لأوان فخارية تنتمي لحضارة العبيد.

وتتوزع المواد الأثرية المكتشفة على أربعة أدوار تاريخية تمثل مراحل الإستيطان بالموقع, وتعود أقدم هذه المراحل إلى فترة حضارة العبيد الثانية (4300-4000ق.م), واستمر الإستيطان بالموقع حتى الألف الثالث ق.م حيث حضارة دلمون التي يعود أحدثها بالموقع إلى فترة باربار المتأخرة, وعلى هذا فإن موقع القلعة يقع بين الفترة 4300ق.م حتى 500ق.م.

المصدر:
• جزيرة تاروت أرض الحضارات: إعداد عبد العظيم الضامن.
• سلسلة آثار المملكة العربية السعودية مجلد (5) المنطقة الشرقية حلقة (4)

جميع الحقوق محفوظة لواحة القطيف
www.qatifoasis.com