ألبوم الصور
وسط القلعة
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3155836
الـزارة تاريخ مدينة
واحة القطيف - « زكي علي الصالح ـ العوامية » - 12 / 1 / 2004م - 1:50 ص


الزارة مدينة تاريخية مشهورة كانت حاضرة الخط، وعاصمة بلاد البحرين(1)، طيلة العصر الجاهلي وحتى العصور الإسلامية الأولى. وصفها علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر قائلاً: "الزأرة، إسم بلدة من أقدم مدن الخط، عرفت ابان ظهور الإسلام، وجُهل تاريخها قبل ذلك، وكانت مقر والي البحرين من قبل الفرس حين كان نفوذهم ممتداً الى هذه البلاد في العهد الجاهلي"(2). أما مؤرخ الخليج المرحوم الأستاذ محمد سعيد المسلم، فقال عنها أنها: «مدينة مشهورة في التاريخ الإسلامي وكانت حاضرة القطيف وكانت تقع بالقرب من العوامية، وقد خربها أبو سعيد الجنابي نكاية بأهل القطيف المعارضين لحكمه ومبادئه» (3). وقد برز إسم الزارة ضمن مجموعة من الأحداث البارزة في التاريخ الإسلام، كحركتي الردّة والقرامطة، لذا قلّما تجد كتاباً تاريخياً يخلو من ذكرها.

ونقل المؤرخون أن الزارة تعرضت الى عدوان انتقامي شنّه القرامطة، حيث نقل أنها "دمّرت تماماً وبقيت خراباً، ثم صارت نخيلاً وأشجاراً وأنهاراً تبعاً للعوامية"(4). وما يزال في مدينة العوامية حي صغير يدعى بـ (فريق الزارة) ويتكون من مجموعة من البيوت التي تقع في الناحية الجنوبية الشرقية من المدينة، وتحيط بالفريق (الحي) مجموعة من بساتين النخيل، ذكر في صكوك ملكيتها القديمة، أنها تقع في أرض الزارة. كما لاتزال في هذا الحي عين تعرف بعين (الزارة) وربما تكون هي العين المشار اليها في المصادر الكثيرة التي تحدثت عن تاريخ الزارة، والتي سيرد ذكرها لاحقاً.

إسمها وموقعها : 

يظهر أن اسم الزارة كان يلفظ في الأصل ( الزأرة ) بالألف المهموزة ، وقد حذفت الهمزة وتخفيفاً ، فهناك بعض المصادر أوردت إسمها بألف مهموزة والبعض الآخر بدون همزة . والزأرة لغةً هي الأجمة أي الشجر الكثيف الملتف وهي مأوى السباع ، ومن هنا جاء قول بعض اللغويين أن اسم الزأرة مشتق من زئير الأسد (1) .

أما موقعها فقد أكدت أكثر المصادر على وقوعها في بلاد البحرين . فجاء في معجم البلدان لياقوت الحموي أن " الزارة قرية كبيرة بالبحرين وفيها مرزبان الزارة " (2) . وفي القاموس الحيط للفيروز أبادي " الزارة بالبحرين وبها عين معروفة " (3) ، وفي كتاب (البلدان ) للحازمي " قال الأزهري : عين الزارة بالبحرين معروفة ، الزارة قرية كبيرة وكان مرزبان الزارة منها " 4 ، وقد ذكرها أبن خرداذبه في كتابه ( المسالك والممالك ) بأنها من قرى البحرين (5) ، وقد خلص علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر في تحقيقه لموقعها على أن موقعها هو موقع قرية العوامية وأنها في الأصل محلة من محلاتها (6) .

بيد أن هناك بعض المؤرخين من التبس عليهم موقع الزارة حيث عدها بعضهم بأنها مدينة من مدن فارس وهذا خطأ ناشئ عن وجود مرزبان من مرازبنة الفرس في الزارة أثناء حصار المسلمين لها في حروب الردة ، بينما نسبها البعض الآخر إلى اليمن وهذا خلاف المشهور والواقع . ويفهم من وصف بعض المؤرخين بأن الزارة كانت مدينة ساحلية ، وأن بها فرضة (ميناء) فقد ذكر المسعودي بأنها تقع على ساحل بحر فارس (7)  ، ( الخليج العربي حالياً ) كما في ( معجم البلدان ) : " قراح سيف هجر و الزارة سيف " القطيف " 8 وورد في كتاب ( المناسك ) في كلام عن الزارة بأنها " فرضة من فرض البحر . أكثر غلتها النخل والسمك " (9) . ويغلب الظن على أن مدينة الزارة كانت تشمل على مساحة واسعة من الأراضي تشكل الآن أغلب مساحة العوامية .

أهمية الزارة الإستراتيجية والإقتصادية : 

اكتسبت مدينة الزارة أهمية إستراتيجية وإقتصادية بالغة . فمن الناحية الإستراتيجية كانت الزارة قاعدة الخط وحُماها وأهم الفرض بها ، وقبل كل ذلك كانت عاصمة بلاد البحرين إذ كان يوجد بها مقر ولاة البحرين من قبل الفرس حين كان نفوذهم ممتداً إلى هذه البلاد في العهد الجاهلي .

ويمكن الإستدلال على أن الزارة كانت عاصمة لبلاد البحرين من الكتب التي وجهها النبي محمد ( ص ) إلى ساوي بن المنذر زعيم الزارة آنذاك يدعو فيها أهل البحرين للدخول في الإسلام فهذه الكتب توضح بأن ساوي بن النذر " يمثل أهالي اقليم البحرين وأن تمثيله لهم يوضح بأنه زعيم الإقليم وأن زعيم الإقليم لا يمكن أن يكون إلا في عاصمة الإقليم وهي الزارة " (10) . وقد أستمر اتخاذ الزارة لولاة البحرين حتى وقت تدميرها في نهاية القرن الثالث الهجري .

وكانت الزارة تمثل بالنسبة للفرس مركزاً إدارياً هاماً وقاعدة بحرية يشرف منها المزربان على الأسطول الفارسي الذي كان له اليد الطولى في مياه الخليج آنذاك ، وفي بعض الفترات التاريخية كان نفوذ مزربان الزارة يشمل حتى المدينة ومنطقة تهامة . روى ذلك ياقوت الحموي من قبل مرزبان الزارة يجبي خراجها " (11) .

أما من الناحية الإقتصادية فأن موقعها الجغرافي المتميز خلق لها مركزاً إقتصادياً هاماً ، فأشرافها على ساحل الخليج العربي أوجد فيها ميناءاً تجارياً كبيراً يعد أهم الموانئ في المنطقة حيث كانت تفد منه وإليه جميع أنواع السفن التجارية محملةً بالبضائع من والى مختلف بلدان العالم ، هذا إضافة إلى اتصالها بخطوط التجارة البرية الأمر الذي جعلها بمثابة همزة وصل بين خطوط تجارة الشرق والغرب .

والزارة كبقية أنحاء إقليم البحرين كانت تتمتع برخاء إقتصادي ممتاز ، كان أهم ما يرتكز عليه إقتصادها هو تجارة التمور والأسماك ، إضافة إلى تجارة الؤلؤ الذي أشتهرت به المنطقة منذ القدم . كما عُرفت فيها بعض الصناعات المزدهرة مثل صناعة الرماح الخطية ، وكان سوق الزارة التجاري يرتاده الناس من مختلف الأصقاع .

وتدل قوة تحصينات الزارة على مدى الأهمية الإستراتيجية والإقتصادية التي كانت تتمتع بها حيث كانت تعد أقوى مدينة في المنطقة ، ولا غرو فهي حمى الخط الذي يضرب المثل في حماه ، إذ كان يقال " حُمى قطيف الخط أو حمى فدك " (12) ، وكان إذا تعرض أهالي الخط إلى هجوم مباغت لم يقدروا على صده هرعوا إلى الإحتماء بحصونها ، ولا أدل على قوة تحصينها من امتناعها عن المسلمين في حادث الردة طيلة خلافة أبي بكر ولم تفتح إلا في خلافة عمر بن الخطاب ، كما أن صمود الزارة طويلاً أمام حصار القرامطة هو الذي حدا بهم إلى حرقها وتدميرها بعد استسلامها .

الحياة الفكرية والأدبية في الزارة : 

كانت الزارة في عهدها الغابر مركزاً لتلاقح الثقافات وصعيداً لإلتقاء الأفكار والتيارات ، إذ كان موقعها الجغرافي المطل على البحر قد سهل لها عملية الإتصال والإحتكاك بالأمم والشعوب الأخرى ، كما كان يعيش فيها أناس مختلفة الوانهم متباينة أديانهم فكان فيها عرب وعجم ومجوس وسبابجة ويهود ونصارى . هذا التعدد والتنوع في الأعراق والأديان يعكس مدى ثراء مناخ الزارة الفكري وانفتاحه وقابليته لاستيعاب الدعوات والمبادئ الجديدة ، لذا عندما جاء الإسلام لاقى في الزارة قبولاً وترحيباً كبيراً ، كما أن التشيع في بلاد البحرين سجل أول بذرة من بذوره في هذه المدينة ، وهي نفس المكان الذي أختاره القرامطة ليزرعوا فيها بذور دعوتهم القرمطية باغين في ذلك استغلال وهج الزارة الفكري في نشر فكرهم في إقليم البحرين .

هذا وكان يعقد في الزارة سوقٌ أدبيٌّ من أشهر الأسواق التي عُرفت قبل ، وكان هذا السوق بمثابة مؤتمر أدبي يشارك في إحيائه أقطاب الفكر ورجال الشعر والأدب العربي (13). فلا عجب أن يرد اسم الزارة في قصائد الشعراء وأشعارهم مثل قول الشاعر أوس بن حجر :

وكأن ظعن الحي مدبرة
 نخلٌ بزارة حملهُ السعد
 

وأغلب الظن إنها هي المقصودة في قول شاعر هذيل :

ونبعةٌ من قسِّ زارة زوراء *  هتوفٍ عِرادُها غَرِدُ
 

 

انضواء الزارة تحت راية الإسلام : 

ذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه ( الإصابة في تمييز الصحابة ) : أن الأشج ( أشج عبد القيس ) واسمه المنذر بن عائد العبدي كان صديقاً لراهب ينزل بدارين ، فكان يلقاه في كل عام ، فلقيه عاماً بالزارة ، فأخبر الأشج أن نبياً يخرج بمكة ، يأكل الهدية ، ولا يأكل الصدقة . بين كتفيه علامة يظهر الأديان . ثم مات الراهب ، فبعث الأشج ابن أخت له يقال له عمرو بن عبد القيس ، وهو زوج أبنته إمامة ، وبعث معه تمراً ليبيعه ، وضم إليه دليلاً يقال له الاريقط ، فأتى مكة عام الـهجرة ولقى النبي ( ص ) ورأى العلامات فأسلم وعلمه النبي ( ص ) سورة الفاتحة وسورة اقرأ وقال له : ادعُ خالك إلى الإسلام ، فرجع ، وأخبر خاله الخبر فأسلم الأشج وكتم الإسلام حيناً ، ثم خرج في ستة عشر رجلاً فقدموا المدينة ، فخرج النبي ( ص ) في الليلة التي قدموا في صبحها فقال : " ليأتين ركب من قبل المشرق لم يكرهوا على الإسلام لصاحبهم علامة فقدموا فقال اللهم اغفر لعبد القيس وكان قدومهم عام الفتح " (14) .

وفي سنة ست من الهجرة ، وجه رسول الله ( ص ) العلاء بن الحضرمي ، ومعه كتاب إلى المنذر بن ساوي أمير الزارة ، وحاكم البحرين من قبل الفرس وقرأ المنذر كتاب الرسول ( ص ) على أهل البحرين فمنهم من دخل الإسلام ، ومنهم من بقى على دينه ، وبعد ذلك بعث المنذر كتاباً إلى الرسول ( ص ) جواباً على كتابه يستفتيه في الأمر فيمن لم بدخل في الإسلام من مجوس ويهود وكان مضمون الكتاب : (( أما بعد يارسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين ، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه ، ومنهم من كرهه . وبأرضي مجوس ويهود فأحدث لي في ذلك أمرك )) فأجاب الرسول ( ص ) على استفتاء المنذر بكتاب ما نصه : (( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى ، سلام عليك ، فإني أحمد الذي لا إله إلا هو ، وأشهد أن لا إله إلا الله وإن محمداً رسول الله ،وإني أذكرك الله الذي لا اله إلا هو ، وأنه من ينصح فلنفسه ، ومن يطع رُسلي فقد أطاعني ، ومن نصح لهم فقد نصح لي ، وإن رسلي قد اثنوا عليك خيراً ، وأني قد شفعتك في قومك ، فاترك المسلمين ما أسلموا عليه ، وأنك مهما تصلح فلن نعز لك عن عملك ، ومن قام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية )) وولي الرسول ( ص ) العلاء بن الحضرمي على إستيفاء الجزية من اليهود والمجوس ، وهكذا أنتشر الإسلام في ربوع البحرين منطلقاً من مدينة الزارة .

وبعد فترة قام النبي ( ص ) بعزل العلاء بن الحضرمي وعيّن مكانه أبّان بن سعيد بن العاص والياًً على البحرين ، وهو من الموالين لعلي أبي طالب ( ع ) ويرى بعض المحققين أن ابّان بن سعيد هو غارس بذرة التشيع في بلاد البحرين وطالما عرفنا أن الزارة هي مقر ولاة البحرين ، فمن الطبيعي اذن أن تكون أول مكان غرست فيها تلك البذرة وما لبث أن عم التشيع بلاد البحرين بأكملها ، ومن المعروف أن قبيلة عبد القيس وبكر بن وائل من سكنة بلاد البحرين ، وهي من القبائل العربية التي انتفضت على حكم عثمان مطالبته بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) .

فتح الزارة : 

نقلت العديد من المصادر التاريخية : أنه بعد انتقال الرسول ( ص ) إلى الرفيق الأعلى اجتاحت الردة معظم أقاليم الجزيرة العربية ، وكانت البحرين - على حد قول تلك المصادر - فيمن ظهرت فيها الردة ، ولما أرسل العلاء الحضرمي إلى البحرين لتصفية جيوب المرتدين فيها ، استطاع أن يسيطر على جميع مدن وقرى منطقة البحرين بكل يسر وسهولة ما عدا مدينة الزارة فقد ظلت صامدة في وجه وفرض حصاراً عليها استمر شهوراً عديدة ، وذكرت بعض المصادر التاريخية : أنه بعد أن استطاع العلاء الحضرمي دحر قوة المرتدين فيهجر ، تحصّن المكعبر الفارسي بالزارة وأنضم إليه كثير من مجوس الخط ( وهجر ) ممن امتنعوا عن أداء الجزية ما أن علم العلاء بحالهم استنفر المسلمين اليهم ، وفرض حصاراً عليهم ، لكن حصانة مدينة الزارة جعل فتحها من الأمور الصعبة ، وظل الحصار مفروضاً على الزارة لفترة طويلة ، وفي أثنائه ظهر المكعبر الفارسي (مرزبان الزارة ) يطلب من يبارزه فبرز له البراء بن مالك فتجاولا ساعة فقتل البراء المكعبر ، وقطع يديه ، وأخذ سواريه ومنطقته . فكان هذا أول سلب خمّس في الإسلام . قيل أنه بلغ أبعين ألفاً وظل العلاء على شرب القوم فأعطاه العلاء الأمان ، لدله على عين خارجه عن الزارة فذهب إليها العلاء فسدّها ، فلما رأوا ما فعله العلاء صالحوه على أن له ثلث المدينة ، وثلث ما فيها من ذهب وفضة ، وعلى أن يأخذ النصف مما كان لهم خارجها فكان فتح الزارة في عام ( 13هـ ) وتم تولية العلاء الحضرمي وأليا فها على البحرين .

الخوارج يحكمون الزارة : 

لما استتب أمر زعامة خوارج اليمامة لنجدة عامر الحنفي ، أرادا احتلال بلاد البحرين واتخاذ الزارة داراً لحكمهم ونقطة انطلاق توسعهم ، ففي عام 67 هـ سار نجدة بجموعه نحو البحرين لاحتلال القطيف فانضم إليه الأزد فيما رفض بنو عبد القيس الدخول في طاعته فقالت الأزد لبنو عبد القيس (( لا ندع نجدة يتولى أمرنا وهو حروري مارق )) ، وفي القطيف دارت معركة حامية الوطيس بين عبد القيس ونجدة كانت الغلبة فيها لنجدة واستطاع أن يدخل القطيف عنوة بعد أن قتل عدداً كبيراً من أهلها وصادر أموالهم وسبي نساءهم فأقام بالزارة ( العاصمة ) وتابع نجدة نشاطه العسكري فوجه إلى بعض نوحي الخط قوة بقيادة داوود العكلي فاستولى عليها وبذلك قويت شوكته واتسعت دائرة نفوذه . بعدها استطاع نجدة من أحكام قبضته على بلاد البحرين وعمان واليمن والطائف وتبالة حيث استولى عليهم جميعاً وعمد إلى مقاطعة الحجاز اقتصادياً .

الزارة منفى المعارضين: 


دلّت بعض المصادر أنه كان في الزارة سجن يودع فيه كل من يخلف هوى السلطات الحاكمة ، إذ ذكر الزمخشري في ( الفائق ) ما نصه : أن الجارود ( الجارود بن المعلى ) لما أسلم وثب عليه الحُطُم ( الحكم بن ضبيعة ) فأخذه وشدَّهُ وثاقاً ، وجعله في الزارة .

وفي عهد الدولة الأموية اتخذ الأمويون الزارة منفى لمعارضيهم . فقد ذكر ابن جرير الطبري في أخبار عبيد الله بن زياد حينما ولي البصرة سنة الستين للهجرة أنه قال بعد أن عرف العرفاء على الناس : (( وأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحدٌ لم يرفعه الينا صُلب على باب داره ، وألغيت تلك العرافة من العطاء ، وسيّر إلى موضع بعُمان الزارة )) ، كذا ورد النص ولعل صوابه ( بعمان والزَّارة )

كما قام عبيد الله بن زياد بنفي عمر بن سعد إلى الزارة . ومن ضمن الذين تم نفيهم إلى الزارة أيضاً المرقع بن ثمامة الأسدي وهو أحد أنصار الإمام الحسين ( ع ) في كربلاء فقد نقل ابن الأثير أن المرقع قد نثر نبله فقاتل فجاء نفراً من قومه فآمنوه فخرج إليهم ، فلما أخبر ابن زياد خبره نفاه إلى البحرين . قد تم نفيه إلى الزارة و أغلب الظن أن بختيشوع الذي غضب عليه المتوكل العباسي فقبض ماله ونفاه إلى البحرين. قد تم نفيه إلى الزارة  أيضاً حيث لم يعرف في البحرين منفى آخر غير الزارة ، وهذا معناه أن النفي إلى الزارة أستمر حتى في عهد الدولة العباسية .

ويرى بعض الكتاب أن اتخاذ الأمويين الزارة منفى لمن يقع تحت طائلة سخطهم هو من أهم الأسباب الكامنة وراء قيام عدد من حركات التمرد بهذا الاقليم . بيد أن ظاهرة نفي المعارضين للزارة لهو أمر لا يخلو من الغرابة فالعادة المألوفة أن يتم نفي عناصر المعارضة إلى بقاع مجدبة قاحلة لا إلى بقعة هي من أخصب بقاع الجزيرة العربية ، وإلى أماكن نائية ومعزولة لا إلى مدينة تضج بالحياة هي مركز من مراكز الحضارة والتجارة .

وقد علل الشيخ حمد الجاسر ظاهرة النفي إلى إقليم البحرين - حيث الزارة دار النفي فيها - بأن بلاد البحرين تكثر فيها المستنقعات المتولدة عن المياه العظيمة المتفجرة من العيون , فكانت هه المستنقعات مكانا لتوالد البعوض المسبب للملاريا , وكان هذا المرض منتشرا بين سكان هذا الاقليم لدرجة انه اثر في الوانهم , فاحالها الى الصفرة , وسبب انتفاخا في بطونهم حتى عد بعض الماقدمين ان من خصائص هذه البلاد انتفاخ البطن , فقد نقل الثعالبي عن الجاحظ قوله من اقام بالبحرين مدة ربا طحاله وانتفخ بطنه".

وقيل :

ومن يسكن البحرين يعظم طحاله  *  ويغبط ما في بطنه وهو جائع

الى جانب ذلك يمكن ان نضيف سببا اخر قد يكون مهما , وهو يرجع الى منعة وقوة تحصينات الزرارة , بحيث يستعصي علآ من يجبر على العيش في داخل حصونها الفرار منها .

الزارة معقل الثوار وحركات التمرد:

لم تعرف الاوضاع السياسية في الزرارة الثبات او الاستقرار في اي فترة من فتراتها التاريخية , فالفتن والثورات والقلاقل كانت العلامة البارزة في تاريخها السياسي . وهذا يعود الى امور عدة ساهمت بشكل او باخر في اضطراب الاوضاع واختلال الموازين . فنظرا لمكانة الزرارة واهميتها كعاصمة سياسية اصبحت محاطا لانظار الطامعين في السلطة ومحورا لصراعات الطامحين في الحكم , كما ان اتخاذ الزرارة منفى للمعارضين جعلها ارضا خصبة للتمرد والثورة , بالاضافة الى نوعية السياسة التي انتهجتها الدولتان الاموية والعباسية قد ناصبتا العداء لاهل البيت ومن يتشيع لهم , وبما ان معظم سكان الزرارة وبلاد البحرين كانوا من الشيعة , فمن الطبيعي اذن ان تصب عليهم كلتا الدولتين جام غضبهما , وسخطهما , الامر الذي ادى الى حدوث ثورات وانتفاضات ضد حكم هاتين الدولتين , وحدا بالاهالي الى التعاطف مع اي شخص يحمل لواء المعارضة ضدهما .

ومن بين ابرز الثورات التي اندلعت في الزرارة ضد الحكم الاموي , ثورة ريان النكري عندما خرج معلنا عصيانه وتمرده على الوالي الاموي محمد بن صعصعة . الذي قام سنة (79 هـ) باستنفار الاهالي لمحاربة النكري فلم يستجيب له بنو عبد القيس وهم السواد الاعظم من السكان , ولما فشل صعصعة في مقاومة الريان بالزرارة وارسل الحجاج بن يوسف الثقفي جيشا اثني عشر الف مقاتل بقيادة يزيد بن ابي كبشة , ودارت بين الفريقين معركة طاحنة في ميدان الزرارة اسفرت عن مصرع الريان وصلبه مع عدد كبير من اتباعه .

وعلى اثر مصرع الريان , ثار داوود بن محرز بن عبدالقيس في جماعة من قومه واستولى على القطيف واقام بها - اي في الزرارة دار مملكة القطيف - وامر بانزال جثة الريان وغيره من المصلوبين ودفنهم وذلك بعد ان انزلوا الهزيمة بجيش اعده لقتالهم البهاء صاحب شرطة القطيف .

ومن الثورات والانتفاظات التي ظهرت في بلاد البحرين , انتفاضة مسعود بن ابي زينب المحارب من عبدالقيس سنة (86 هـ) اذ انتفض في جماعة من قومه وطردوا عامل الامويين الاشعث بن عبدالله بن الجارود العبدي , وفي سنة (151 هـ) انتفضت في البحرين جماعة اعلنت التمرد والخروج على ابي جعفر المنصور بزعامة سليمان بن حكيم العبدي , وفي سنة (190 هـ) ثار على هارون الرشيد في البحرين سيف بن بكير احد بني عبدالقيس.

حرق الزارة : 


في سنة ( 283 هـ ) شهدت الزارة افول مجدها الزاهر ونهاية تاريخها الزاخر على أيدي القرامطة ، الذين قاموا بحرقها وتدميرها عن بكرة أبيها . حيث تفيد الروايات أنه بعدما استفحل أمر القرامطة أزمعوا على احتلال القطيف وكانت الرئاسة فيها لبني جذيمة من عبد القيس وكان أولو الأمر فيهم بني أبي الحسن بن مسمار ، فسار إليها أبو سعيد الجنابي على رأس جيش من المرتزقة من الأعراب ومن أهل عُمان ، فلما عجزت قوات بني أبي الحسن بن مسمار في وجه زحف جيش أ[ي سعيد اعتصموا بالزارة ، فحاصرها القارمطة مدة طويلة حتى أذعنوا للتسليم ، عندها قام القرامطة بإعدام من كان بها ، ثم قاموا بإحراق الزارة وتدميرها تدميراً كاملاً فم تقم لها قائمة منذ ذلك الحين .

 

الهوامش:
(1) بلاد البحرين كانت تشمل الخط وهجر وأوال.
(2) المعجم الجغرافي للمنطقة الشرقية، الشيخ حمد الجاسر، الجزء الثاني، ص 799.
(3) مجلة العرب، ج9-10، السنة 22، ص 622.
(4) أنوار البدرين، الشيخ علي البلادي، ص 277.
(1) المعجم الجغرافي ، ص 799 .
(2) لمصدر ، 3 / 126 .
(3) المصدر ، مج2 / ص37 - 38 .
(4) المعجم الجغرافي ، ص 801 .
(5) المصدر ص 152 .
(6) المعجم الجغرافي ، ص 830 .
(7) مروج الذهب ، مج1 / ص 126 .
(8) المصدر ، 4 / 315 .
(9) المصدر ، ص 621 .
(10) مجلة الموسم ع ( 9-10 ) ص 137 .
(11) نقلاً عن المعجم الجغرافي ، ق2 / ص 799 .
(12) المعجم الجغرافي ، ص803 .
(13) ساحل الذهب الأسود ، ص252 .
(14) الإصابة في تمييز الصحابة ، ص 177 - 178 .