ألبوم الصور
المعرض الحسيني الفني
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3155836
أضواء على تاريخ القلعة
السيد حسن العوامي - 3 / 9 / 2004م - 12:43 م


كثير من الناس يتشوَّق بأن يعيش مع نفسه ووجده ووجدانه، وخياله متفردًا ساعات مع الماضي, إما لأنه قد عاش شطرًا منه فيستعيد ذكرياته وأحلامه وشيئًا من طفولته وشبابه، فيداعب فيها خياله بما لامسه من بؤس ونعيم أو هما معًا. ولطالما استرخى المرءُ بعد عناء ومشقة الحياة ومتاعبها ومصاعبها وهو يصعًد أنفاسه ليُحلق في عالم من الحُلم الجميل . وبذلك يُجدد نشاطه ويكتسب طاقة روحية ومتعة جسدية ولو من وراء التصور والخيال هذا إذا كان قد أدرك شيئا منه.

وأما لأنه لا يعرف شيئا فيهوى الإطلاع على ماضي مدرج صباه وملعبه وأترابه فيستمتع بذلك الماضي الحبيب. لاسيما إذا كان ذا أصالة في العلم والقِدم ليأخذ منه عبرة ودروسا واعتزازا بما فيه من موحيات توقِظ في إحساسه الربط بينه وبين حاضره.

ومن الصنف الأخير طلب أخوة كرام غير قليلين. طلبوا وألحفوا في الطلب أن أكتب عن « القلعة » - القلعة التي كانت حاضرة القطيف - . لاسيما بعد أن قرئوا فيها وعنها القصائد الكثيرة التي تغنت بمجدها وتاريخها - علما وثقافة وأدبا - بعد أن أُزيل معظمها . أو كلها.

سمعوا شيخ الشعراء « أحمد سلمان الكوفي » يقول:

فبالأمس كانت للضياغم غابة    *     بهم كان محميَّ الجوانب بابها
غدت دوحةً معطارةً ذات بهجة    *     فصوَّ ح منها زهرها وملابها
وراحت لشكوى الغبن تُسمع أهلها * عِتابا ولكن غير مُجد عِتـابهـا

أما المرحوم الشاعر « محمد سعيد الجشي »  فيقول بعنوان « القلعة والغياب » مقتطفين أبياتا موزعة في قصيدة :

قد توارت عين افقها وذراها   *       وتلاشت أمجادها في ثراها
حُجرات البيوت فيها تهاوت  *        وهي مثل النجوم في مرآها
موحشات من الحسان كأن البـ    *    ـدر ماكان مشرقا بسناهـا
كُن عشا الى الحسان مضيئا  *  ينشر الروض عِطره في حِماها
والرياحين في صدور الغواني       *    تملأُ النفس بهجة بشذاها
والوصيفات روعةٌ في ليـ    *     ـالي العرس تشدو تياهة بغِناها
تستزيد الحسان منهن لحنا    *     من غرام أهاج ذكرى هواها
صور للقديم في قلعة الخـ      *       ـط تلاشت لما تهاوى بناها

والأستاذ الخنيزي - محمد سعيد - في إحدى قصائده يقول تحت عنوان «الى قلعة القطيف » :

قلعة المجد والندى والسماح     *     أنت مثل المعِين للأرواح
أنت رمز لعالم من نضـال        *          وحياة لأمة من صلاح
أنت كالفجر مزق الليل فانـ         *       ـجاب الظلام بالإصباح
أنت كالحصن للقطيف متى * اعصوصب خطب وطاف بالأشباح

ومن قصيدة بعنوان « مدينة الدراري » التي أعطى اسمها الى عنوان ديوان شعره الأخير يقول:

كنت ياقلعتي الى المجد ينبـ * ــوعا سخيا وعالما من دراري
كنت دنيا من العبيـر    *       من السحر فتفتر عن ليال حِرار

الى أن يقول :

أنت مجـد التاريخ قمته البيـ * ـضاء تزهو على سماء العصـور
قد كتبت التاريخ في صفحة بيـ  *  ـضاء خُطت بأحرف من نــور


ومن قصيدة أخرى بعنوان « الى قلعتي الحبيبة » :


لك ياقلعتي الحبيبة ذكرى * أي ذكرى تمر بين الجفون

إلى أن يقول:

أين تلك الحياة ؟ أين لياليك ؟ *  ومجـد مجسد من معـاني
قد تولت ياقلعتي ومضى الأمـ * س كشلو يلف طي الزمان


أما شاعرنا الكبير « السيد عدنان السيد محمد السيد محفوظ العوامي» فكأنه يقف أمام أطلال سحب الزمان عليها نسيج النهاية . إذ يقول:

سلاما سلاما منازل خوله   *     سلام الخليل تذكر خِــله
سلام عليك سلام الحبيب   *    سلام الغريب تعشق أهله
فعاد اليك نزيفَ الجراح     *      تكاد دماه تخضب رِجـله
على جفنه رعشةٌ من سناك *  وفي شفتيه اختلاجة قلبه

إلى أن يقول:

على بابها تستريح القوافل    *      من كل حدب وكل مِـله
وفي بيتها تتقرى الضيوف      *       تؤم نداه وتنشد نَيـلـه
وتسكن قصرا منيع الجناب    *   بضوء المآذن يغسل ظِله
وبوح الكتاتيب يثري ضحاه   *    ووحي المنابر يؤنس ليله

ويختمها بقوله:

وكم من أمير تمنى المهاة *  فردته كِبرا ولم تشفِ غُـله
وكم صولجان تعالت عليه  *   وأزرت بتاج عرش ودوله


وقبل أن أشرع في الحديث عن بيوتها وأهلها وما يتعلق بذلك . أود أن أشير الى أول حدوثها . فقد أُنشِئت عام 216 هـ -  831 م وقد وصفها وأرخها العلامة المقدس « الشيخ فرج العمران»  تحت عنوان « قلعة القطيف »  قال :

قلعتنا العصماء مثل المرمره *  قرون من ناطحها منكسره
ويشهد التاريخ أن أهلها   *   قد أسسوها أرخوها «حجره»

أما واضع لبنتها الأولى ومدماكها الأول وهل هي جهة رسمية أم أهلية ؟ وباختيار من جاء اختيار موقعها ؟ فلم تتعرض اليها المصادر. وقبل تأريخه لها قال فيها ( أقول : ولايخفى أن مسورة القطيف - القلعة - لها السالف المجيد في العلم . والقدح المعلى في حلبات الفضل . والشأو البعيد في سماء العرفان . والسلف الصالح في التصنيف والتأليف . الخ .)

ومدينة هذا تاريخها . أربعة عشر قرنا تطاول الحقب وتعانق الأزمان وتعيش الأحداث - رغم مافي تلك الأعوام من أحداث تخضد المواقع وترج المنطقة وتفزع الساكنين. هذه المدينة تحمل في مغانيها وتنطوي جنباتها وتضم قصورها وأبراجها معالي الأمور ومعاني البطولة وصفات الرجوله مع سداد في الرأي منطلق من قدرة علمية يجعلها تصمد في ساحة الأعاصير على مر القرون وامتداد العصور . إن هذا الصمود وهذا الإمتداد مقرونا بعطاء سخي في العلم والزعامة ووفير المال.ولم يحدثنا الأجداد أنها كانت مركزا لحكم . أو مقرا لخلافة لتبقى محافظة على مكانتها بدعم السلطات التي تتعاقب على كراسيها . كبغداد والقاهرة وأمثالهما . إنما كانت تطاول الأحداث برجالها بأبطالها بعظمائها علما وأدبا وثقافة . جيلا وراء جيل . وقرنا يعقبه آخر . وهكذا صمدت تنجب الرجال الأبطال حتى آن زوالها برغبة التطور والعمران . ولم يبق منها إلا بقايا متداعية توحي في عمقها بخشوع العابد في محراب صلواته وتهجد الضارع في سكون الليل.

ما هي القلعة؟

المتبادر الى ذهن السامع عند سماع لفظ «القلعة» أنها حصن من الحصون ، مبنى كبير يضم غرفا وردهات ودهاليز ومخابىء. لأن القلعة : الحصن الممتنع في جبل لكنها غير ذلك ، إنها مدينة لم تكن محصنة ، إذ لم تكن محاطة بسور أو خندق وإنما تم تسويرها بعد مرور ثمانية قرون وربع القرن ، حيث انتهى بناء السور عام 1039 هـ  1630 م وأُرخ بكلمة « محفوظه » ومحفوظه بالحساب الأبجدي المصطلح ( 40+8+80+6+900+5 = 1039 ) سنة هجرية. ومن المصادفات اللافتة للإنتباه هو تطابق العام الذي تم فيه بِناء السور مع كلمة « محفوظه» وتطابق معناها مع الواقع الذي كان يُمثله السور بالشكل الذي بُني به.

وحقا إن القلعة أصبحت محفوطة - بعد رعاية الله - به ، فهو لم يكن مجرد حائط يلفها ويحصر بيوتها ، لقد اشتهر سور الصين في التاريخ ومايزال - حتى بعد انهيار بعضه - وحين يُذكر يترادف اسمه وكلمة «عظيم » فيقال سور الصين العظيم ، ولو لم يكن سورا واحدا ، بل عدة أسوار وُحدت في خط واحد لأجل تحصين الصين من الغزوات التي كانت تُهدد الصين الشمالية وأخذ الإمبراطور الجديد -تسن .شه. هوانغ. تي - 246 -210 ق م - على عاتقه تأمين السلام في بلاده والدفاع عنها ضد الغزوات التي كانت تهدد غالب الأحيان المناطق الشمالية .والشمالية الغربية ، لذا وحد في خط دِفاع الأسوار التي كان ملوك السين والتشاو والـ « ين » قد أقاموها على طول الحدود.

إنه الحائط الكبير الذي يمتد على مسافة ثلاثة آلاف كلم . والذي يُعد من أعظم الأفعال الثي حققها الإنسان. ( تاريخ الحضارات العام المجلد الأول) . وكذلك سور القلعة ليس هو مجرد سياج من الجص والآجر يحوطها من لصوص الليل أو الذئاب - وماأكثرها آنذاك - إنما أُشيد لأمنها وحِمايتها من الغارات والغزوات فكانت موقِعا لصد الهجمات والغارات.

إنه يقوم على قاعدة عريضة من الجص والآجر ، ولقد قمت بأخذ عرض القاعدة في الجهة الشرقية منه - موقِع المنزل الحالي للمرحوم «حسن صالح الجشي » - فكانت ثلاثة عشر قدما ويرتفع بما يقارب العشرة أمتار ، وله أبراج أربعة كبيرة في كل ركن بُرج مزود بالغُرف والإستراحة ومحل الخدمات ، وله بوابات كبيرة جدا من حيث العلو والعرض والمتانة هي مداخل القلعة.

بوابات القلعة

وتسمى هذه البوابات « دراويز » واحدها «دروازة» واحدة تسمى دروازة «باب الشمال» وهي من الناحية الغربية وبعدها من الغرب مباشرة « حي باب الشمال» والأخرى «دروازة السوق» وهي من الناحية الجنوبية.

وسميت بذلك لأن بعدها مباشرة السوق ، والثالثة «دروازة البحر » وهي من الناحية الشرقية وبعدها من الشرق البحر ، ولكل دروازة حارس يُغلقها بعد صلاة العشاء ويفتحها في الفجر. وفي الزاوية الشرقية الشمالية داخل القلعة يوجد مكان مخصور منها ومحاط بسور خاص به ويسمى هذا المكان « الكوت » وقد اختير ليكون محلا لإقامة أول جهاز لإرسال واستقبال البرقيات «لاسلكي» والكوت له بوابتان إحداهما من الشرق على الشارع خارج السور، والأخرى من الجنوب هي مخرج من هو في داخل الكوت للقلعة.

ولما أقيم فيه «اللاسلكي» أُقيمت داخله مباني دوائر لموظفي البرق والبريد وسكن لمدير اللاسلكي ، وأول مدير له هو المرحوم «السيد حسين ناس » حجازي وقد ظل في القطيف سنين طويلة.

ومن الذكريات التي لاتغيب هي أننا - الأستاذ المرحوم الشيخ ميرزا حسين البريكي والأخ السيد علي ، والشاعر أحمد الكوفي وأنا - كنا نسهر بصحبة الأستاذ البريكي بعض الليالي خارج القلعة وتتأخر عودتنا الى مابعد الساعة الرابعة ليلا بالتوقيت الغروبي ( التوقيت المستعمل آنذاك ) فلا نصل إلا وقد أُغلقت البوابات ومن الصعب أن يفتحها أحد من الحراس فنتوجه الى بوابة الكوت (اللاسلكي) حيث ينادي الأستاذ البريكي مديرَه «حسين ناس» فينزل أحد موظفيه فيفتح لنا البوابة.

ومن أبدع أو أهم مافي السور هو سارية من البناء معلقة فيه من الداخل قبل نهايته بمترين ونصف المتر - تقريبا - وعرضها بحدود مترين تربط الأبراج بعضها ببعض ، وتعلوها فيه فتحات للنظر وتصويب الرمي من البنادق ، فإذا ماأُمطر العدو الغازي بوابل من الرصاص تراجع على أعقابه ، وبهذه النظرة عارض بعض الزعماء الشبابَ الذين طالبوا بإزالته حينما تصدعت أجزاءٌ منه واُزيلت أجزاءٌ أُخرى ، فانقسم الناس الى قسمين مؤيد ومعارض - كما هو الديدن وللأسف الشديد. هذا هو سور القلعة مضافا الى جمال بِنائه وروعة تصميمه وتناسق أجزائه.

ونعود الى القلعة ونقول ولعلها سميت بالقلعة لكونها أُقيمت على مرتفع من الأرض و(القُلاع والقُلاعة والقَلاعة بالتشديد والتخفيف : قشر الأرض الذي يرتفع عن الكمأة فيدل عليها ) والقُلاع : الطين الذي ينشق إذا نضب عنه الماء ، فكل قطعة منه قُلاعة .

والقُلاع : الطين اليابس . واحدته : قُلاعة . والقُلاعة : المدرة المُقتَلعَة . أو الحجر يُقتلَع من الأرض ويرمى به. فلا يبعد أن يكون قد روعي في تسميتها هذه الجوانب أو بعضها لاسيما إذا علمنا أنها أُقيمت على نشز من الأرض أشبه بالقبة لها انحدار من جهاتها الأربع وبالذات الغربية والشرقية ، والأخيرة أكثر انحدارا.

واليها توجه جداول البيوت وانصباب المياه ، ورغم أنها على حافة شاطىء البحر فلم يكن مد البحر ليدخل بيوتها حتى وقت ارتفاع المد بأوسط وآخر الشهر القمري . وما ذاك إلا لارتفاع مستوى سطحها عنه مماسهل تسريب فضلات البيوت اليه.

ومما يدل على ارتفاع مستوى أرضها ارتفاعا ملحوظا أن بيوتها في الجانب الشرقي عند جانب البحر مباشرة ومع ذلك فلم تتأثر حتى عند ارتفاع الموج . وإذا ماأراد واحد حفر قليب (بير ) لمنزله فإن العملية تأخذ زمنا في محاولة قطع الصخور ومن ثم نزح الرمل حتى الوصول الى الماء . وكان عمق آبارها من سطح الأرض الى أول الماء يتراوح بين خمسة الى ثمانية أمتار.

تقسيمها

لقد قسمت القلعة في أبنيتها وبيوتها ومواقعها الى أفراق ( أو فُرق جمع فِرق أو أحياء) أربعة فِرق ( أو حي ) في الجنوب الغربي ويسمى «الخان» وفِرق في الشمال الغربي ويسمى «الزريب» وفِرق في الشمال الشرقي ويسمى «الوارش» وفِرق في الجنوب الشرقي ويسمى «السدرة» فهل أُعطيت هذه الأسماء للأفراق ( أو الفرقان أو الأحياء) اعتباطا أم بقصد ؟ يستبعد أن تكون لمجرد الإعتباط دونما نظرة الى مدلول التسمية.

1- حي الخان

ولو حاولنا أن نعرف المدلول من وراء معنى لفظ الكلمة فقد نعثر على هدف مقصود ، فبالنسبة الى «الخان» فهي تعني عدم الدوام والثبات أي إن أمور الناس لاتبقى على وتيرة واحدة ، وإنما تتغير من حال الى حال . قال الأعشى:

وخان الزمان أبا مالك  * وأي امرىء لم يخنه الزمن

2- حي الزريب

والكلمة وإن كانت اسما إلا أن التسمية ترمز الى ذلك - أي التغيير - وهذا ليس ببعيد. أما الزريب فهو تصغير لكلمة «زرب» بفتح الزاء وهو المدخل ومسيل الماء إذا كان بكسرها والزرب بالفتح والكسر موضع الغنم والجمع زروب وهو الزريبة أيضا، وانزرب في الزرب انزرابا إذا دخل فيه، والزرب والزريبة يحتفرها الصائد يكمن فيها للصيد فهل كان مقصود التسمية أن الزريب مدخل القلعة ؟ - وهو فعلا أحد مداخلها - أم لأنه قد بنيت بيوته على شكل مكامن ؟ يكتن أهلها فيها عندما تدعو الحال ؟ ربما كان كلا الأمرين منظورا في التسمية . ذلك لو أننا ألقينا نظرة على تصميم بيوت هذا الفِرق وتداخلها وطرقها وارتباط سوابيطها ببعضها البعض لعرفنا أن التسمية منظور فيها ماألمحنا اليه.

عندما ندخل من المدخل الغربي الشمالي للقلعة - دروازة باب الشمال - فعن اليمين طريق عادي يؤدي الى فِرق ( أو حي ) الخان لاالتواء فيه ولاظُلمة ولا منعطفات حتى تصل الى ساباط بيت آل نصر الله وهو ساباط مفتوح بشكل طبيعي واعتيادي ، وأنت حينما تأخذ الطريق الى الشرق - بعد مسجد المسألة الذي لايزال قائما - فعن اليمين - الى الجنوب - تتجه اتجاها طبيعيا الى الخان طرق يتخللها نور الشمس وضوء النهار وهبوب الرياح،ومثله الطريق الواقع في الزاوية الجنوبية الشرقية الذي يؤدي الى فِرق ( أو حي ) السدرة.

أما عندما تنعطف على اليسار الى الشمال فأول مايواجهك ساباط صغير تنتهي منه - بعد فتحة في السماء صغيرة أيضا - الى ساباط مظلم - يسمى الساباط الظَلَمي - بفتح الظاء واللام لشدة ظُلمته حتى في عز النهار وعند نهايته في الشرق ساباط آخر. وهذا الآخر ينعطف الى الجنوب لينتهي الى بيوت كما ينتهي على اليسار الى الشمال بآخر . وهذا الآخر على يمينه ساباط آخر. وعندما تتجه آخذا طريقك في الشمال يواجهك ساباط من الشرق الى الغرب . ولاتكاد تخطو خطوات قليلة حتى يواجهك غيره، ومن واحد الى ثان ، ومن ثان الى ثالث في الإتجاه الممتد الى الغرب وعلى اليمين الى الشمال سوابيط أُخرى، وعلى اليسار الى الجنوب ساباط يوصلك الى نقطة البداية - عند الدروازة - والفِرق ( أو الحي ) المذكور أكثر فرقان ( أو أحياء ) القلعة سوابيطا.

3- حي الوارش

أما فِرق ( أو حي ) الوارش فربما لوحظ في تسميته مايمتاز به الرجل من النشاط أو الدفاع . الوارش : «الدافع ، الوارش : النشيط ورجل وارش : نشيط »  ونستبعد أن يكون اللفظ قد أُخذ منظورا فيه معنى الطفيلي المتشهي للطعام. الذي يدخل على قوم يطعمون - ولم يدع - ليصيب من طعامهم.

4- حي السدرة

أما فِرق (أو حي ) السدرة فهو مطابق تماما من حيث النطق الى شجرة النبق (السدر) ولعل التسمية جاءت بملاحظة مقتبل الأيام بعد أن يكتمل تكوينه لاسيما إذا ما عرفنا أن هذا الفِرق (أو الحي ) تحوطه من الجنوب والشرق الدوالي بنخيلها وسدرها وكرمها وسائر أنواع الفواكه.

إنها كانت حدائق غناء بمائها وشجرها وظلالها وأنواع طيورها التي كانت تألف تلك الدوالي لكثرة التفاف شجرها ، وقد بقي السدر متأخرا جدا حتى بعد زوال تلك الدوالي ، ويؤكد هذا التحليل أن ناديا لإقامة الشعائر الدينية بجميع مناسباتها وللأعراس ومجالس القادمين من السفر وإقامة الفواتح سمي باسم الفريق . « حسينية السدرة ». كما سمي مسجد باسمه، وهو « مسجد السدرة » الذي كانت بوابته بوابة أثرية قديمة وقد كُتب عليها تاريخ بنائه وآياتً قرآنية ، وللأسف الشديد سرقت هذه البوابة - كما زعم البعض - . ولايمكن انصراف اسمه الى الفعل « سدِر» بمعنى سدِر بصره :لم يكد يبصر . أو رجل سادر : غير متثبت أو الذي لايهتم بشيء ولايبالي بشيء .

بيوتها

لم تكن القطيف آنذاك تنعم بالحياة المدنية الحاضرة فلم تدخلها التقنية الحديثة ولا وسائل المدنية والترفيه وأهمها الكهرباء هذه الطاقة التي فتحت للإنسان مجالات العلم على أوسع مصاريعها وشقت له دروب الأرض والسماء وأخذته بعيدا بعيدا في مضامير الإختراعات والإكتشافات ونقلته نقلة نوعية جبارة ومازالت.

لذلك فإن سكان القلعة - كغيرهم - كانوا يعتمدون في الإضائة على الشمعة والفانوس وفي الوقود على مشتقات النخلة من سعف وكرب وتليل وليف وفي التهوية على المناخ بما يعطيه من تقلبات في الأنواء من رطوبة شديدة الى هواء عات جاف - أيام البوارح - الى بارد ومعتدل - أيام الشتاء - فلا يكاد المرء يجد للفصلين المعتدلين - الربيع والخريف - أثرا وبلحاظ ذلك جاء تصميم البيوت . فكان أكثر منازلها يتكون من أدوار ثلاثة الأول - وهو الدور الأرضي - الى الخدمات ففيه مستودعات الحطب ومستودعات التمور ( الكناديد مفردها كندود أو كندوج) ويخصص قسم منه الى دور للإستراحة أيام الصيف وغالبا ماتكون مظلمة وجدران البيت عموما سميكة جدا بحيث يصل عرض أساساتها الى نصف المتر وذلك لكي تحتفظ ببرودتها أيام الهواء الحار الشديد الجفاف أو الحر الشديد الرطوبة وفعلا عند مايدخلها الداخل يشعر بانتعاش وراحة وحين يستعمل المروحة اليدوية فإن هوائها يجيء باردا لطيفا.

أما الدور الثاني فإنه يضم غرف النوم وغرفة مجلس النساء وخدمات المنزل من مطبخ وغرفة مؤنة البيت ( مخزن ) ودورة مياه ومسبح للإستحمام ومسطحات صغيرة لأواني المياه الكبيرة (الحبابي - جمع حِب - والجِحال جمع جحلة . وهي أواني خزفية كبيرة الحجم ) وغالبا مايثبت لها خشبة في الجدار في زاوية المسطح على ارتفاع متر تقريبا يوضع عليها الحِب أو الجحلة التي هي أكبر حجما وأكثر استعمالا وربما أُخذت من الجَحْل بفتح الحاء وسكون الجيم وهو الزق وسقاء جحل : ضخم عظيم .

أما الدور الثالث ففيه السطوح للنوم أيام الصيف وغالبا مايقسم السطح الى غرف غير مسقوفة وتسمى «العُرش» جمع عريش وتنصب فيها الأسرة والمهود والأقفاص وكلها معمولة من جريد النخل وقسم من السطح تُبنى فيه غرفة أو اثنتان وتسمى « خَلوة »( من الإختلاء ) وغالبا ماتكون نوافذها من الشرق والجنوب لاستقبال الهواء وهي باردة مريحة لارتفاعها العالي واستقبالها لأقل هبوب من الهواء.

لقد تفنن سكان القلعة في بيوتها من حيث التصميم إذ بعض بيوتها تنصرف فضلات المياه منه الى البحر مباشرة عبر جدول يمتد من المنزل الى البحر مسقوف محكم البناء تحت الأرض ومن حيث الزخرفة أو الرياش الفاخر والأثاث الثمين والمعلقات المتنوعة ذات القيمة العالية إن درج بعض البيوت صخور منحوتة ملساء كرخام الوقت الحاضر وغرف النوم دائما وأبدا أشبه بغرفة العروس أسرة من الخشب الممتاز وفرش من الحرير ناعمة وطنافس والصناديق المعمولة من خشب الساج أو النبك المطعمة بالفضة والمنقوشة . وبعضها مطعم بعظم الفيل . وعليها الصواني مملؤة بالتحف وأباريق ماء الورد وقوارير العنبر وهلم جرا والقناديل بأنواعها الثمينة وسائل الإضاءة حيث الفانوس الى سائر أرجاء المنزل والشمعة الى المطبخ ودورة المياه.

وعلى الحائط في فسحة البيت يعلق الخوان - السفرة - والجراب - من خوص النخل - لحفظ النوى وعظام السمك طوال الأسبوع حيث يجمع فيه ويباع يوم الخميس . وثمة أوان أُخرى تُستعمل داخل المنازل منها:

الأواني في القلعة

« السماور» وهو - اسما وشكلا - معروف - سواء كان اسما عربيا أو أعجميا - وهو نوعان كبير جدا بحيث دائرة بعض أنواعه تبلغ نصف المتر وعلوه يصل - بكرسيه - الى متر وعشرين سم (1,20) ويوضع في حمام غرفة النوم ليسخن الماء لأجل الإستحمام . وإذا لم يوجد استُعملت مكانه « المصخنة» وهي وعاء من النحاس مخروط الشكل وهي جرة كبيرة مصنوعة من النحاس.

أما السماور الصغير المعروف فهو لاستعمال الشاي وقد كان الأهلون يعتنون بالشاي عناية خاصة مميزة ولهم جلسات وأوقات وآنية له ممتعة جدا فللسماور صينية خاصة والى فناجين - وليست فناجيل - الشاي ( وتُسمى الإستكانات وهو اسم دخيل ) مفرش خاص وهي - أي فناجين الشاي - مكونة من قطع ثلاث . الفنجان نفسه وصحنه وملعقته . وتُختار الأنواع الجيدة المزركشة والإبريق من الصين الفاخر الملون والسكرية من البلور الجيد وأغلب مايُستعمَل قِطع السكر - القند - بدلا من السكر الناعم . ومهما حاول الواصف أن يُعطي وصفا جميلا فإنه لايفي بنوعية المجلس المعد للشاي من حيث الترتيب والأناقة والنظافة وحسن الآنية وكامل المنظر وتحفظ كل أدوات الشاي في صندوق خشبي من النوع الجيد المحفور والمنقوش والمطعم والمكسو داخله بالمخمل ومفصل في داخله محل لإبريق الشاي ومحل للسكرية ومحلات صغرة لفناجين الشاي كل فنجان وحده ومحل للصحون ومحل للملاعق ويسمى هذا الصنوق « صندقجه».

أما المِلالة - بكسر الميم وتشديد اللام - فلفظ غريب إلا أنها قطع من الخشب - ثلاث أو أربع - تربط ببعضها بالمسامير على شكل مثلث أو مربع وتعلق في سقف صحن المنزل بحبل الى الحد الذي تصله يد الرجل أو المرأة ويوضع فيها قُفف - جمع قفة - الإدام أو قدور الأكل الصغيرة إبعادا بها عن القِطط والحشرات وأما « المال مالي » أو « المالج» - كما يسمى أحيانا - فهو قطعة قُماش بيضاء بطول ثلاثة أمتار أو أقل أو أكثر وبعرض متر ونصف وأحيانا يكون مربعا تعلق في السطح مشدودة الى الجدران من أطرافها الأربعة بخيط قوي وطويل بحيث تكون في وسط المكان وتوضع في وسطها حجرة ثقيلة نظيفة حتى تكون جوانبها منحدرة ويوضع أسفلها معادلا للحجرة طست او قدر كبير لينزل فيه المطر ومن ثم حفظه في أوان زجاجية كبيره محاطة من الخارج بغلاف من الخوص أو الخيش لوقايتها من الكسر . وتسمى قرابية - بتشديد الراء - والجمع قرابيات . ويستعمل ماء المطر المخزون فيها للشاي خاصة . وربما استعمله - أحيانا - رب الأسرة للشرب .

إن حالة من الترف والنعيم ووفرة المال كانت تعم السكان الذي وصل بعض الأحيان حد السرف . فإن المستوردات من الهند التي تشمل الأَسِرّة والمرايا الكبيرة والصناديق وبيض النعام بأحجامه وألوانه المختلف وكذا الأبواب والنوافذ . ولباس الصوف الفاخر للرجال . والمطرزات من الزري والحرير والإبريسم الى النساء . وأنواع الذهب المصنّع والمجوهرات . مضافا اليه اقتناء الخيول والأعبُد والإماء . كل ذلك دليل اليسار وسعة المال ووفرته . ونموذجا واحدا كاف للدلالة . إن أحد شخصيات القلعة - ولم يكن معدودا من الأغنياء الكبار - ابتاع الى زوجته ثوبا من الهند بأربعمائة ربية . هذا المبلغ بحساب قيمة الأراضي آنذاك ومقارنة بأثمانها الآن تعني رقما خياليا. وقد صار هذا الثوب يُستعار الى العروس ليلة زفافها - بدلا من بدلة الزواج - ولمدة أعوام . حتى دخلت المنطقة في دور جديد في العادات.

وقد يظن البعض أن هذا الثراء على حساب القرية أو الريف . ويعتبره البعض نوعا من الإقطاع الذي كان يتمتع به أهل القلعة من عرق الفلاح. وطالما سمعنا ذلك من بعض الأفواه . والحقيقة خلاف ذلك تماما وبصورة قاطعة. فالإقطاع أساسا غير موجود في القطيف. لأن الإقطاع ملك بساتين وأراضي قرية بأكملها يملكها رئيس العشيرة أو القبيلة . ويعمل فيها أهلها بأجر زهيد لايفي بحاجة العامل وأسرته. حتى البقر والماشية فإنها من نصيب رب العشيرة. وليس للأجير المسكين أو ابن القرية رأي أو كلمة. بل يكاد يكون عبدا مسخرا أو هو كذلك. ومثل هذه الحالة غير موجودة في القطيف إطلاقا . وما من قرية يملك (20%) منها مالك واحد .

هذا أولا : وثانيا فإن ضمان النخيل بين الطرفين المالك أو الولي والفلاح يتم بالتعاقد. وغالبا مايكون تعاقدا مكتوبا بعد حوار وأخذ ورد على مقدار الضمان وشروطه. والفلاحون هم المبادرون بطلب الضمان. بل يتسابقون ويتنافسون على ضمان الحقل الواحد. ويذهب بعضهم الى مالك الحقل أو وليه قبل أن يحين وقت التضمين بشهرين أو أقل أو أكثر والثمار لاتزال معلقة في النخيل لم يأت جذاذها بعدُ.

صحيح أن هناك شروطا ضمن العقد كأن يلتزم المتضمن بمقدار من الرطب يوصله يوميا الى منزل المالك ومقدار من دهن البقر يوصله أسبوعيا - كل يوم خميس - لمدة محددة. وأحيانا على مدار العام - حسب كِبر الحقل وصِغره - . وعدد من الدجاج - الفراريج الصالحة للذبح - وغالبا ماتكون في شهر رمضان. ومثله مقدار من حليب البقر الطازج في شهر رمضان أيضا. ومقدار من الفاكهة إذا كان البستان يضمها . لكن كل ذلك لايتم على سبيل الإلزام والتسخير. بل حين التفاهم على العقد وبنوده. وبإمكان الطرف الآخذ أن لا يقبل بأي شيء . فليس هناك قوة تُلزمه.

قد يقول قائل إن الفلاح مجبر على قبول الشروط لانحصار عمله في الفلاحة. وأين يذهب ويحصل على العيش له ولأفراد عائلته ؟ وهذا القول مردود من وجوه .

أولا : إن القطيف كانت ذات ثراء عريض لا لأهل القلعة فحسب بل لكل سكانها. ففي كل من صفوى والعوامية والقديح وتاروت وسيهات وغيرها من المدن بيوتات عريقة وزعامات علمية واجتماعية وممتلكات من الحقول والخيول والدواب والماشية والإماء والأعبُد . ولم تكن الثروة مقصورة على زعيم القرية أو المدينة . وشواهد الأُسَر والبيوت والممتلكات لاتزال قائمة.

ثانيا : كانت مصادر الدخل والعمل في القطيف متعددة ولها مواسم تتداخل وبعضها البعض. فلا يكاد ينتهي موسم إلا وحل غيره محله. فالعامل في حركة دائمة وشغل مستمر. فمن موسم الغوص - استخراج اللؤلؤ - (والمجال لايتسع لذكر تفاصيله ) الى موسم السلوق ( وهو الآخر يحتاج الى شرح) الى موسم التمور . ومهنة صيد الأسماك والجمبري - الروبيان - وهذه على مدار السنة. ومعلوم أن مدن صفوى ، العوامية ، القديح ، عنك ، تاروت، سيهات ، كلها فيها سفن صغيرة وكبيرة لصيد الأسماك. كما كانت مصائد الأسماك - الحضور - تمتد على الساحل من الدمام الى صفوى بل الى الجبيل . وهناك موسم البادية . هذه تأتي محملة بالسمن البري الجيد ( دهن الغنم ) وبالفحم والإقط . وتمتار ماتحتاجه من تمور ومؤن وكسوة وطعام. ولهذا الموسم ضجة وحركة وتبادل عجيب تشترك فيه قطاعات من أبناء الشعب كما تشترك في غيره.

ولذلك كانت في القطيف أسواق دائمة. وأسواق أُسبوعية هذه الأسواق وإن كانت متصلة ببعضها البعض وبعضها مختلط مع غيره إلا أن كلا منها معروف بموقعه ونوعه. ولذلك اقتضت هذه الأسواق بما فيها من تزاحم واستقبال للمتسوقين من مدن وقرى القطيف وغيرها . اقتضت أن توجد بها مواضع استجمام وراحة فكانت المقاهي ( أو القهاوي - كما تنطق شعبيا - ) منتشرة موزعة في أول السوق وأوسطه وآخره وخارجه. وكانت تقدم الخدمات لروادها من الماء المبرد في الحبابي والجِحال الى الشاي والقهوة والنارجيلة ( أداة شرب التبغ - الدخان - الشعبية ) وكانت بعض المقاهي محل ارتياد لشخصيات البلاد وزعمائها . يجلسون فيها كل يوم . وكثيرا ماكانت تجري فيها صفقات البيع والشراء المختلفة.

من كل هذا يتضح أن الفلاح لم يكن مجبرا ولا مكرها على القبول بضمان الحقل . وليس مجال العمل محصورا فيه . وحتى لو كان فلاحا لايجيد عملا آخر فبمقدوره أن يشتغل عاملا في الحقول حين العمار. وحين النبات ( أو التنبيت ) وحين اللفاف وحين التحدير وحين التعبئة . وموسم السلوق. كما أنه بإمكانه أن يكون عاملا في السوق أو في البحر - في السفينة - أو عاملا في البناء وهلم جرا. لكن الفلاحين يتسابقون من تلقاء أنفسهم للحصول على ضمان النخيل بسبب مردودها الكبير عليهم . ففي كل شيء لهم منها مورد . وكل ذرة في الحقل يمكن استغلالها . يستغل النخلة من ألفها ليائها . يستغلها بُسرا ورُطبا وتَمرا وخوصا - أخضرا ويابسا  وجريدا وسعفا وكربا وليفا وتليلا . ويستغل الأشجار بأنواعها. الحمضيات والتين والرمان والباباي (البوبي ) والعنب والموز واللوز والكِنار ( النبق ) وعيرذلك. ويستغل الأرض للخُضار الموسمية. والى البرسيم والدخن والذرى. حتى الحشيش النابت بدون كلفة ولا عناء يبيعه يوميا في السوق علفا للحيوانات. - كما أسلفنا - فهو في حالة غُنم دائم. حتى إذا أُصيبت النخلة بمرض أو قِلة في الثمرة فإن النقص على المالك. وليس على الفلاح فبعضهم يُنقِص الربع أو الثلث أو حتى النصف أحيانا من قيمة الضمان.

ولذلك استطاع أهل القرى بناء المنازل وأصبحت القطيف كلها مدن وقرى وليس بها ريف. وبعض مدنها تزدان بالمنازل العالية الكبيرة الجميلة المزخرفة حتى القرى قليل بيوتها المبنية بالطين دون الجص. ويُخطىء من يظن أن أهل القلعة هم وحدهم ملاّك الأراضي والنخيل. فأولا لا توجد في القطيف - سابقا - أراضي بيضاء خالية مملوكة.

أما النخيل - الحقول ، البساتين - فملكيتها ووقفيتها موزعة على كثير كثير من سكان القطيف. بل هناك أوقاف خاصة بالقرى. الوقف الى القرية بعمومها من حيث هي قرية. كأوقاف الجارودية وأوقاف التوبي  وأوقاف الآجام وهكذا دواليك.

مرافقها

يبدو أن أهالي القطيف - بحكم قِدم تاريخهم وتعاقب دول ذات حضارات بعيدة الشأو عميقة الجذور كالفينيقيين والكنعانيين وغيرهم من الحضارات التي تعاقبت على حكم المنطقة - قد اكتسبوا خُبرة ومهارة وفنا في الحياة كاكتسابهم للعلم والمعرفة والصفاة الحميدة . وأصبح لديهم ذوق في الحياة ووعي للجانب الصحي مثل وعيهم للجانب الإجتماعي والجانب الديني وغيره . وكان للجانب الديني أثره العميق في نفوسهم بحكم ارتباطهم بأهل البيت من أول يوم تم اعتناقهم للإسلام في أول الدعوة المحمدية . ولذلك كانت أظهر المرافق العامة « المساجد » داخل محيط القلعة كما في سِواها من مدن القطيف وقراها . والى جانب وجود المساجد هناك النوادي العامة - الحُسينيات - هذه النوادي لم تكن ذات غاية واحدة . ولم يكن سبب إنشائها هو الإقتصار على إقامة المآتم أيام عشرة المحرم من كل عام - وإن كان هذا أساسيا.

إن الحُسينيات - النوادي - مدارس تربوية ، تثقيفية ، أخلاقية ، تُنمي في الفرد جميع الصِفات والخِصال الحميدة إذا كان ذا استعداد نفسي للأخذ بالنصائح . إن الإيضاح هنا لايفي بما تؤديه رسالتها من منافع يصعُب حصرها في مقال كهذا . ولو قُدِر لباحث أن يكتب عنها لاحتاج الى كتاب مستقل قد يفي بغَرضها الخير المِعطاء . وبالإنتقال بالحديث عن هذين المَرفقين نتحدث عن جانب آخر من المرافق العامه في القلعة . ذلك الجانب هو توفير الماء وجعله في متناول الجميع ليس للشُرب فقط وإنما لغسيل الفُرش والأواني واستحمام الأطفال .

بئر الخان
وهو بئر غزير الماء نظيفه . يزدحم فيه الوراد من العاملات في البيوت (شغالات) يزدحمن طِوال النهار وأول الليل حتى صلاة العِشاء . لما يمتاز به ماؤه من الغزارة والقرب والنظافة وكثيرا مايحصل النِزاع بين الواردات للتسابق أيهن تُنهي مطلبها قبل غيرها . وهذا البئر فاره جميل . له حوض من الصخر الجيد وحوافه كذلك وله أعمِدة أربعة موصولة ببعضها بجسور مفتوحة الأعلى والجوانب . وفضلاته تتسرب لمجاري ولاتشكل أي مستنقع أو قاذورات . وبعيدا عنه تُرمى فَضَلات الطعام ويقع في نهاية مستطيل طوله في حدود تسعة أمتار وبعرض أربعة أمتار - تقريبا - وله مدخل من الغرب وكله مفتوح ومدخل من الجنوب.

بئر « الجبَلة »
ويقع في فِرق ( أو حي ) السِدرة قريبا من منزل آل الزاير - الذي يُطلَق عليه بيت الشاه - لمكانة صاحبه المرحوم «محمد حسن الزاير» - الشاه - وهذا البئر مقصور على الإستسقاء فقط . ولاتغسل فيه الأواني والفُرش إذ أن صاحب منزل بجانبه ينزح منه - يوميا - عشرات - إن لم نقل مئات - الصفائح المعدنية ( أوعية نقل المياه ) ينقلها الى بيوت المتعاملين معه.بالأجرة . كما تتزود منه أرباب السفن لعذوبة مائه.

بئر « مُغيبوه »
وهذه التسمية لاتخلو من غرابة . وأصلها عربي صحيح . ولعلها تكون « مُغَيّب » بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الياء . من التغييب . وبتداول استعماله عند عامة الناس والأفراد وتخفيفا في النطق - كما هي عادة العرب - قيل « مُغَيّب » - من غاب الشيء - وأُضيفت اليه الواو والهاء عوضا عن هاء السكت . وربما كانت في الأساس على سبيل التندر أو الفكاهة . وهذا البئر يقع في زاوية ساباط وحوضه مسقوف وماؤه غير مرئي لظلمته . وبعيد في متناوله لعمق مابينه وبين حافة سطحه . وفوهته مقسومة بجِدار في الوسط . فنصفه الجنوبي في الشارع ويُستعمل للعموم ونصفه الشمالي داخل أحد المنازل.

 بئر براحة الخيل
ويقع بفِرق ( أو حي ) الوارش. وهو مكشوف وضحل وغير عميق وطالما نزل فيه الأطفال . وليس من النظافة بقريب . يُستعمل للغسيل.

والى جانب هذه المرافق مرافق أخرى لأغراض غيرها . من تلك المرافق « الجامع » - وليس هو اسم لمسجد . كما يتبادر الى الذهن - وإنما هو محل - ساحة ليست متسعة كثيرا - وتقع في فِرق ( أو حي ) الخان تجتمع فيه يوميا منذ الصباح الباكر حتى الظهر بائعات الحليب واللبن - المخيض - وبعض أنواع الفاكهة - حسب وقتها - والرطب - في أوانه - وقبله الخَلال - ثمر النخيل قبل احمراره أو اصفراره - يباع نثرا وقلائدا والريحان والرازقي - الفُل - وبيض الدجاج . وتشتهر بعض البائعات بجودة الحليب واللبن لديها . إذ أن الأخريات يُضفن الى حليبهن أو لبنهن بعض الماء لذلك فإن بعض ربات البيوت يوصين رُسلهن بالأخذ من المعروفات بجودة مايبعنه

ومن المرافق براحة الخيل وتقع بين فِرقي ( أو حيي ) السدرة والوارش . ولم نُدرك أن خيلا كانت تعرض فيها للسباق أو للبيع . كما لم نسمع بذلك. أو أنها كانت اسطبلا لها في الوقت الذي أدركناه كانت تُستعمل لسباق الركض -الهول -.

ومن المرافق « براحة الحليب » : وتقع في فِرق ( أو حي ) الخان . وهي مخصوصة بسوق شهر رمضان المبارك - عصر كل يوم - وكانت تعج وتزدحم بالباعة والمشترين . وتباع فيها أنواع مختلفة من الطعام النيء والناضج المطبوخ وغير المطبوخ . والحبوب والدواجن والحليب والبيض وغيره كثير كثير. وهي أشبه شيء بمتعة النفس والعين .

وهناك متسع كبير من الأرض - ساحة - تقع أمام منزل المرحوم الزاير -الذي سبق أن أشرنا اليه - من الجهة الشرقية كان بعض الأولاد في القلعة يمارسون فيه اللُعَب الشعبية ، منها التيلة ، الجري - الهول - يحموه يحموه ، خاست ، عندي عندي ، وهلم جرا. 

هذا وصف موجز الى القلعة . ولاأدري ماإذا كنت قد وُفقت في عرضه بشكل وصيغة مقبولة عند القارىء الكريم . أم هو ثرثرة لافائدة منها ؟ وحسبي أنه جهد المُقِل واستجابة لطلب أخوة كِرام .


خاتمة وتعقيب

لم تكن القلعة هي الصورة الوحيدة في القطيف التي تتمتع بعراقة التاريخ وبالعلم والحضارة . ويتصِف أهلها بالنخوة والكرم . والشرف والسؤدد. وغير ذلك من الصفات الحميدة . لو لم تكن ضمن تلك المجموعة الكبيرة من مدن وقرى القطيف بما تضم من رجال هم في مصاف الرجولة والشهامة والبطولة وكرم الضيافة وعظيم الثراء والتسارع الى فعل الخير . وكل صفات الرجولة والإنسانية . وإنما القلعة هي على رأس ذلك الهرم - عاصمة القطيف وحاضرتها- كما هو الشأن في كل الأوطان . ولو كان من المُستحسَن الإتيان على ذِكر بعض الشخصيات التي برزت على مسرح الأحداث أو العلم أو الشجاعة والكرم لفعلت . ولكن ليس يحسُن أن أخص أُناسا دون آخرين.

مخطط القلعة

مخطط لقلعة القطيف قبل عملية إزالتها

جزء من برج وسور قلعة القطيف.

ميدان القلعة

منظر لأحد أبراج قلعة القطيف في أربعينيات القرن العشرين.

من إعداد «العنقود»
مجلة الواحة العدد 5