» رئيس بلدية القطيف ل«الرياض»: مشروع سوق السمك الجديد استراتيجي   » زهرة القطري تفوز بجائزة "لحظات ناشونال جيوجرافيك"   » الفواكه الموسمية تغزو شوارع القطيف   » «محلي القطيف» يوصي بإنشاء مجمعات تعليمية.. ويناقش بناء شاليهات وحلبات للسيارات   » تحديد 20 حيا لبناء الدور الثالث بالقطيف   » إدخال تعديلات جديدة على تصميم سوق السمك بالقطيف   » فنانو القطيف يشاركون في كأس العالم في البرازيل   » الدكتورة فاطمة آل نصرالله تبتكر تقييما لـ "الشفة الأرنبية"   » «الأسماك» تدخل ضمن مهر العروس لدى أهالي «سنابس»   » 200 مليون ريال لـ 11 مشروعا جديدا في ميزانية بلدية القطيف   » الفلكي ال رمضان: امطار غزيرة على القطيف يومي الاحد والاثنين   » استشهاد الطفلة تقى الجشي بعد استهداف مسلحين حافلة في العراق   » الكشافة يشاركون في حماية «مانجروف تاروت»   » «الأمانة»: 30 مليوناً لـ «سوق أسماك القطيف»   » مسيرة عاشورائية موحدة في القطيف بمشاركة الألاف  
ألبوم الصور
سوق الخميس
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
2394357
الحروف العربية وتاريخ الخط العربي
واحة القطيف - 29 / 8 / 2004م - 11:02 ص


الحروف العربية حاول كثير من الكتاب والأدباء العرب أن يحددوا أصولها، وأصول اللغة العربية نفسها إلا أنهم لم يصلوا إلى رأي جازم. ومن هؤلاء ابن النديم محمد ابن إسحاق مؤلف الفهرست ، وأبوالعباس أحمد القلقشندي، صاحب كتاب صُبح الأعشى ، وابن خلدون صاحب المقدمة ، وابن عبدربه مؤلف العقد الفريد ، وغيرهم.غير أن أغلب هؤلاء قد كتبوا عن الحروف العربية، وعن نشأة اللغة كتابات أدبية، فذهبوا إلى أن هذه الحروف، وهذه اللغة العربية، كلها مما علّمه الله تعالى آدم مع ما علمه من لغات أخرى.

وانتهت اللغة العربية إلى نبي الله إسماعيل وهو أبو العرب المستعربة التي كانت منها قريش، وهو أول من تكلم بالعربية ونقلها عنه بنوه. وقد انتشر هذا الاعتقاد بين العامة والخاصة من العرب. ولكنا نجد عددًا غير قليل من الكُتاب يرفضون أن تكون اللغة قد تعلمها آدم بحروفها وصورها. وعلى رأس هؤلاء ابن خلدون الذي ذكر في مقدمته أن الخط صناعة من الصنائع، لجأ إليها الإنسان لحاجته لها. وقد استخدمتها كل شعوب الأرض عندما استقرت وعرفت العمران.

كانت للعرب صلات قديمة مع الشام واليمن في رحلتي الشتاء والصيف. ولهذا انقسم الناس إلى قسمين عندما حاولوا تحديد أصل الحرف العربي: فقسم يرى أن أصل الحرف العربي مشتق من لغة أهل الحيرة في الشمال، وقسم آخر يرى أن أصل الحرف العربي مأخوذ من حمير بالجنوب. وتُسهب المراجع العربية القديمة في توضيح الطريقة التي تكونت بها اللغة العربية. فيذكر الذين يرون أن أصل العربية من الحيرة، أن جماعة من العرب ويحددون أسماءهم قد اجتمعوا وقاسوا هجاء اللغة العربية على هجاء السريانية، وتعلمها منهم أناس من أهل الأنبار، وانتقلت منهم لأهل الحيرة. ووصلت إلى مكة عن طريق الأكيدر صاحب دُومة الجندل الذي علّمها لسفيان بن أمية بن عبد شمس، ولأبي قيس بن عبد مناف بن زهرة.

وانتشرت بعد ذلك في بلاد الحجاز ومصر والشام. أما الجماعة الثانية، وهي التي ترى أن منشأ العربية كان في اليمن فأشهرهم ابن خلدون الذي يرى أن الخط قد انتقل من اليمن إلى الحيرة، ومن الحيرة إلى الطائف وقريش. وأمام هذا التضارب، لم يكن هناك بدّ من أن يبحث العلماء المحدثون عن أدلّة دامغة لتحديد هذا الموضوع. وقد بحث عدد من العلماء العرب، وغير العرب في هذا الموضوع ولجأوا إلى النقوش القديمة، والمخطوطات، فتوصل الكثيرون منهم بأن الخط النبطي هو أصل الخط العربي، ومن أمثلته نقش النَّمارة المشهور الموجود حاليًا بمتحف اللوفر في باريس، وهو نقش لامرئ القيس بن عمرو.

ويُلاحظ في هذا النقش أن بعض الحروف العربية لها صور غريبة: فالألف كانت في صورة الواو المقلوبة، والواو في شكل الرقم تسعة (9)، والدال كان يأخذ شكل الرقم سبعة (7) لكن يضاف له خط رأسي أسفله يجعله يبدو كفرع الشجرة؛ أو كالحرف (Y) في اللغة الإنجليزية. واستمر هذا الخط النبطي مستخدمًا لفترة تربو على ثلاثة قرون حتى بعد أن زالت المملكة النبطية التي كانت عاصمتها البتراء. ومما يدل على ذلك وجود آثار لهذا الخط يعود تاريخها إلى القرن الخامس الميلادي، رغم أن المملكة النبطية قد زالت في بداية القرن الثاني الميلادي.

وتُثبت المراجع المختلفة أن شكل الحرف العربي في الشمال (الشام) قد مر بثلاث مراحل: المرحلة الأولى: هي تلك التي كانت تُستخدم فيها الحروف الآرامية التي كانت أشكال الحروف فيها تميل إلى التربيع. والمرحلة الثانية: تتمثل في الانتقال من الخط الآرامي المربّع إلى الخط النبطي، أما المرحلة الثالثة: فتـتمثل في التحول من الخط المربع إلى الخط النبطي المتّصف بالاستدارة في أغلب حروفه. ومما يؤكد أن أصل الحرف العربي هو الحرف النبطي وجود علاقات تجارية قوية كانت قائمة بين النبط وأهل المدينة، كما يؤكدها وجود سوق نبطية في المدينة. وعلى هذا، فإن رحلة الخط العربي تكون قد بدأت من الآراميين الذين استعار منهم النبط خطَّهم. ثم استعار العرب خطّهم من النبط. وقد اتضحت ملامح الحرف العربي وتميّزت خلال الفترة الممتدة ما بين القرن الثالث الميلادي ونهاية القرن السادس الميلادي.

وعلى الرغم من اتّضاح ملامح الحروف العربية، إلا أنها لم تتخذ شكلاً واحدًا في كل الأمصار العربية. فقد عرف العرب أنواعًا كثيرة من الخطوط التي يتّخذ الحرف في كل خط منها شكلاً مُغايرًا. فمن هذه الخطوط الخط الأنباري والخط الحيري، والخط المكّي، والخط المدني، والخط الكوفي، والخط البصري. وواضح أن كل نوع من هذه الخطوط يُنسب إلى بلد معين، ورغم أن المراجع القديمة لا تمدنا بصفات الحروف وأشكالها في كل خط، إلا أننا نستطيع أن نتبين بعض الفروق من المخطوطات المنتشرة حاليًا في كثير من متاحف العالم، ومن الخطوط المنحوتة على الحجارة أو الصخور أوعلى جدران بعض الأبنية القديمة. وعلى كلٍ فإن الحروف العربية قد مرت برحلة طويلة قبل أن تصل إلى شكلها المعروف الآن. ويذكر بعض العلماء أن الخط الحميري هو أقدم الخطوط في بلاد العرب، وكان مستعملاً في الأنبار والحيرة. والخط الأنباري هذا هو الذي سُمي بالخط الكوفي لاحقًا. فقد كان هذا الخط معروفًا قبل بناء الكوفة. ولما ظهر الإسلام، وبدأ في الانتشار ازداد الاهتمام بالكتابة، وأصبح من الضروري أن تكون للحرف العربي صورة واحدة معروفة حتى تسهل قراءة القرآن وتتوحّد.

لم يكتمل شكل الحرف العربي إلا بعد انتشار الإسلام، فقد كانت الحروف العربية تُكتب بلا إعجام أي بلا نقط فوقها أوتحتها، فالقارئ يعتمد على ذكائه، وعلى السياق في التفرقة ما بين حروف كالباء والتاء والثاء والياء والنون، أو بين حروف الجيم والحاء والخاء، أو الدال والذال، أو الفاء والقاف، وهكذا.

لم تقتصر جهود اللغويين العرب القدامى والمحدثين على تطوير الشكل فحسب، بل قاموا بترتيب هذه الحروف إما وفق أشكالها، وهذا يعرف حاليًا بالترتيب الألفبائي ، وإِما وفق الترتيب الأبجد ي، وإِما وفق مخارجها وهو ما يعرف بالترتيب الصوتي ، وقاموا بوصف صوت كل حرف من هذه الحروف كما تناولوها من الناحيتين المعجمية والصرفية كما يلي:

الترتيب الألفبائي

تتكوّن حروف الكلم العربي من ثمانية وعشرين حرفًا هي بالترتيب أ. ب. ت. ث. ج. ح. خ. د. ذ. ر. ز. س. ش. ص. ض. ط. ظ. ع. غ. ف. ق. ك. ل. م. ن. هـ. و. ي. وقد وضع الترتيب الألفبائي: نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمُر العَدواني، في زمن عبدالملك بن مروان. وهو ترتيب مبني على المشابهة بين الحروف في الشكل، والرسم، والتقابل بين الإعجام والنقط.

الترتيب الأبجدي

تُرتَّب هذه الحروف أبجديًا في المشرق العربي على النحو التالي: أ. ب. ج. د. هـ. و. ز. ح. ط. ي. ك. ل. م. ن. س. ع. ف. ص. ق. ر. ش. ت. ث. خ. ذ. ض. ظ. غ.  ولها في حساب الجُمَّل أرقام تتضاعف عدديًا بالعشرات بدءًا من حرف: ك. ثم بالمئات بدءًا من حرف: ر، إلى أن يصل إلى العدد ألف مع حرف: غ. والترتيب الأبجدي للحروف العربية في المغرب هو كالتالي: أ. ب. ج. د. هـ. و. ز. ح. ط. ي. ك. ل. م. ن. ص. ع. ف. ض. ق. ر. س. ت. ث. خ. ذ. ظ.غ. ش. وسبب هذا الاختلاف بين المشارقة والمغاربة في الترتيب الأبجدي للحروف العربية هو أن المغاربة يروون الترتيب الأبجدي عن الأمم القديمة وبخاصة الأمم السامية، على غير مايرويه عنهم المشارقة.


الترتيب الصوتي

رتب الخليل بن أحمد صاحب معجم العين حروف معجمه الذي سمّاه «معجم العين» ترتيبًا صوتيًـا كالتـالي: ع. ح. هـ. خ. غ. ـ ق. ك ـ ج. ش. ض ـ ص. س. ز ـ ط. د. ت ـ ظ. ذ. ث ـ ر. ل. ن ـ ف. ب. م ـ و. ا. ي ـ أ. ونراه في هذا الترتيب قد عد الألف صوتًا من أصوات العربية. أما الترتيب الصوتي الذي تلا الخليل فقد بدأ بالأصوات الشفوية وانتهى بأصوات الحلق، بينما كان ترتيب الخليل مبتدئًا بالحلق ومنتهيًا بالشفاه. ونجد أن ابن جني قد رتب الأصوات العربية كالتـالي: و. م. ب. ف. ث. ذ. ظ. س. ز. ص. ق. د. ط. ن. ر. ل. ض. ي. ش. ج. ك. ق. خ. غ. ح. ع. هـ. ا. أ، وهكذا عد ابن جني بدوره الألف صوتًا من أصوات العربية. وفي العصر الحديث، رتب بعض المهتمين حروف العربية صوتيًا كالتالي: ب. م. و. ف ـ ث. ذ. ظ ـ ت. د. ط. ن. ض ـ ل. ر. س. ص. ز ـ ش. ج. ي. ك ـ خ. غ. ق. ح. ع. هـ. أ.، ورتبها فريق آخر كالتالي: ب. م. و ـ ف. ظ. ذ. ث ـ ض. د. ط. ت. ل. ن ـ ز. ص. س. ر ـ ش. ج ـ ي ـ ك. غ. خ ـ ق ـ ع. ح. أ. هـ.

وهكذا لم يعتبر الترتيب الصوتي الحديث الألف صوتًا من أصوات العربية. فهي عند اللغويين المحدثين ثمرة كتابية لحركة فتحة طويلة مثل الياء والواو الممدودتين، فالياء الممدودة ثمرة لكسرة طويلة، والواو الممدودة ثمرة لضمة طويلة.


الناحية الصرفية

للحروف استخدامات كثيرة في الصرف، منها حروف الزيادة المجموعة في قولك (سألتمونيها) وأحرف الإبدال المجموعة في (هدأت موطيا) وأحرف العلة: (واي) وغير ذلك.

حركات الحرف العربي ثلاث، هي: الضمة ورمزها فوق الحرف هكذا:  ( ُ )، والفتحـة ورمزها فوق الحرف هكذا:( َ ) والكسرة رمزها تحت الحرف هكذا ( ِ ) السكون ضد الحركة ورمزه فوق الحرف هكذا: ( ْ ) والحركات وضدها على حروف الكلمة العربية، قبل الحرف الأخير منها هي علامة ضبط صوتي لِبنية النطق في هذه الكلمة. وعلى الحرف الأخير في الكلمة العربية، هي علامة إعراب أو بناء.

وهذه الحركات وضدها لها درجة قوة صوتية بالتركيب التنازلي التالي: الكسرة، والضمة، والفتحة، والسكون، وتؤثر هذه القوة في كتابة الهمزة في الكلمة العربية، مفردة أو على واو، أو على ياء، أو على نبرة أو ممدودة، في أول الكلمة العربية أو في وسطها أو في آخرها، وفق قواعد النطق الصوتية. والتنوين للحرف الأخير في الكلمة العربية (الاسم خاصة) يكون بالضمتين، أو الفتحتين، أو الكسرتين على الحرف الأخير في الأسماء العربية المفردة ورمزه هكذا: ـٌ، ـً، ـٍ ضمًا وفتحًا وكسرًا، وفق قواعـد نحوية خاصة بالتنوين. وضوابط الحرف العربي أربعة: الشد، والمد، والوصل، والقطع. والشدّ يدل على إدغام حرفين متماثلين، ورمزه هكذا: +ُّ،+َّ، +ِّ. والمد يدل على همزة ثانية ساكنة قلبت ألفًا بعد همزة مفتوحة في أول الكلمة العربية المهموزة الأول، ويكتب هكذا: آ. والوصل يدل على إسقاط الهمزة نطقًا في الكلمة المهموزة الأول في أول الكلام، وتكتب هكذا: ا، والقطع يدل على ثبوت الهمزة نطقًا وكتابة في أول الكلمة العربية، وتكتب هكذا: أَ. أُ.

الخط العَرَبِي هو الفن الجميل للكتابة العربية التي ساعدت بنيتها وما تتمتع به من مرونة وطواعية وقابلية للمد والرجع والاستدارة والتزوية والتشابك والتداخل والتركيب، على ارتقاء الخط العربي إلى فن جميل يتميز بقدرته على مسايرة التطورات والخامات. فتشكلت علاقة وثيقة بين كل نوع من أنواعه والمواد التي يكتب بها أو عليها، فرأيناه لينًا ينساب برشاقة وغنائية، ورأيناه صلبًا متزنًا يشغل حيزه بجلال يمتد إلى ما حوله، ورأينا الصلابة واللين يتبادلان ويتناغمان فيه. وهو في كل أحواله يشدّ الناظر ويمتعه بجمالياته الخاصة وتجريديته المتميزة التي عرفها بشكل مبكر وراقٍ، مما جعل له مكانة خاصة بين الفنون التشكيلية.

والخط العربي يعتمد فنيًا وجماليًا على قواعد خاصة تنطلق من التناسب بين الخط والنقطة والدائرة، وتُستخدم في أدائه فنيًا العناصر نفسها التي نراها في الفنون التشكيلية الأخرى، كالخط والكتلة، ليس بمعناها المتحرك ماديًا فحسب بل وبمعناها الجمالي الذي ينتج حركة ذاتية تجعل الخط يتهادى في رونق جماليٍ مستقلٍ عن مضامينه ومرتبطٍ معها في آن واحد.

ومن خلال نمطيْه الأساسيين المنحني الطياش والهندسي اللذين ينفرد كل منهما بجماليات خاصة، مع الزخارف المرافقة لهما، يستطيع الفنان إبداع نوع من الإيقاع نتيجة التضاد بين الأجزاء والألوان، وما يحققه ذلك من إحساس بصري بالنعومة والخشونة والتكامل الفني الناتج عن التوزيع الإيقاعي، مع تحقيق الوحدة في العمل الفني ككل. ومن خصائصه أيضًا مخالفة الطبيعة، والتجريد والاستطراد، ممّا يمنح الفنان الحرية اللازمة للتشكيل. وهذا ما ساعد الفنانين العرب والمسلمين على استخدامه في تشكيل تحفهم على الخامات المتنوعة كالمعادن والخزف والخشب والرخام والجص والزجاج والنسيج والورق بأنواعه، بالإضافة إلى الروائع المعمارية، فكان الخط العربي قاسمًا مشتركًا لكل الفنون العربية الإسلامية التي أعارها طابَعهُ الجمالي المنطلق من التناسب بين الخط والنقطة والدائرة.

مدارس الخط ومراحل تطوره

 
لم يتطور الخط العربي دفعة واحدة، مثله في ذلك مثل اللغة والكتابة وغيره من الفنون، بل نما ونضج مع الزمن. ففي بداياته، أدى دورًا وظيفيًا فقط، ولم نعرف له عند مجيء الإسلام أكثر من نوعين: أولهما البسط، وهو خط يميل إلى القساوة وتغلب عليه التزوية، استُخدم في النقوش وفي الوثائق المهمة التي كانت تكتب على الرق، وفي المصاحف بصورة خاصة؛ وثانيهما التقوير وهو أكثر ليونة واستدارة، استُخدم في المعاملات اليومية، والوثائق والمراسلات الخاصة التي تتطلب السرعة، ثم دخل الخط العربي مرحلة تطور وتطوير متسارعين وفي اتجاهين: استكمال مقوماته الوظيفية الكتابية من جهة، وتجويده والنهوض به ليقوم بدور فني جمالي من جهة ثانية. وقد بدأت النهضة الفنية للخط العربي مع بناء الكوفة ثم اتخاذها مقرًا للخلافة أيام الإمام علي بن أبي طالب .
 

الخط الكوفي

اعتمد تطور الخط العربي في بداياته الكوفية على خط البسط بشكل أساسي، فتطور فيها تطورًا كبيرًا، ربما كان من أسبابه التقاؤه مع ما ألِفَهُ مَن حلّ بالكوفة من قبائل اليمن من تربيع في الخط المسند، والبراعة التي اشتهر بها أهل الحيرة والأنبار الذين هاجر بقيتهم إليها. وعلى الرغم من وجود نماذج سبقت إنشاء الكوفة تحمل سمات الخط الذي أُطلق عليه اسم الكوفي، فإن هذه التسمية سادت وأصبحت تُطلق على كل الخطوط التي تميل إلى التربيع والهندسة أينما كتبت، وأيًا كانت درجة تطورها أو اختلافها عن الخطوط الكوفية الأولى.

غير أن الكوفة عرفت نوعين آخرين إلى جانب الخط القاسي: نوع مخفف لين هو خط التحرير، ونوع يمكن اعتباره جمعًا بين النوعين السابقين هو خط المصاحف الذي اهتمت المصادر التاريخية بتناوله، وكان معتمدًا في كتابة المصاحف الكبرى التي تُوقف على المساجد. وكان من أبرز كُتَّابه الأوائل مالك بن دينار الوراق وخشنام البصري. أما أقدم فنان متميز في الخطوط الكوفية تذكره المصادر، فهو خالد بن أبي الهياج الذي اشتهر زمن خلافة علي بن أبي طالب ، وحتى خلافة عمر بن عبدالعزيز. وقد كتب عددًا من المصاحف وكُتُبِ الأخبار والأشعار. وكان أول من خطَّ كتابة تزيينية على المساجد، فلقد خطّ على جدار القبلة في المسجد النبوي الشريف أربعًا وعشرين سورة من القرآن الكريم.

واستمر الخط الكوفي في التطور والانتشار، فأسهمت كل الحواضر العربية والإسلامية في الشرق الإسلامي ومغربه في الإضافة إليه، والارتقاء بجمالياته لقرون طويلة، فتعددت أنواعه وأشكاله التزيينية والزخرفية حتى جاوزت السبعين، منها الكوفي البسيط والمورّق والمضفَّر والمزهَّر والمربَّع والتذكاري والقيرواني والأندلسي والفاطمي والمملوكي والسلجوقي والنيسابوري، إلى آخر تلك الأنواع والتفرعات التي تتمتع بمميزات تشكيلية جمالية عالية ساعدت على تطورها القيم الجمالية الهيكلية الكامنة في الخط العربي وحروفه، بالإضافة إلى الطبيعة الفنية الزخرفية في الخط الكوفي، والتي تتيح للخطاط المبدع درجة عالية من الحرية في الابتكار والإبداع. ولم يحدّ من نموّ الخطوط الكوفية واطراد تطورها إلى جانب الخطوط اللينة إلا سيطرة العثمانيين على البلدان العربية، ونقلهم لخيرة مبدعيها إلى الآستانة، وإهمالهم للخطوط الكوفية مع تصاعد اهتمامهم بالخطوط الليِّنة، مما وضع الخطوط الكوفية في الظل لمئات من السنين.

الخط الموزون

تعود أصول الخطوط الموزونة إلى خط التقوير الذي كانت بداية ارتقائه الفني في الشام بعد تعريب الدواوين في عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان، واختراع نوع من الورق عرف بالقرطاس الشامي. وتُنسب النقلة الأولى في هذا الارتقاء إلى قطبة المحرِّر، وهو ـ في الأغلب ـ أول من أطلق عليه لقب محرِّر. ابتدع قطبة استخدام قلم الجليل في الكتابة على قطع الطومار فصار يُسمى قلم الطومار أيضًا، واشتق منه ثلاثة أقلام أصغر منه حدد عروضها بالنسبة إليه، ليكتب بها على قطوعٍ مختلفة من القرطاس تتفق مع أهميتها الإدارية.

وفي أوائل العصر العباسي، طوّر كل من الضحاك بن عجلان الشامي ثم إسحق بن حماد ما بدأه قطبة، فبلغ عدد الأقلام اثني عشر قلمًا، وأصبحت هناك مدرسة للإبداع الخطي انتهت إلى إبراهيم السجزي (أو الشجري) الذي استحدث قلمين أصغر من الطومار أطلق عليهما الثلثين والثلث (بالنسبة إلى الطومار)، وإلى أخيه الكاتب الشاعر يوسف لقوة الذي استخرج قلمًا من النصف الثقيل عُرف بقلم التوقيع طوّره الفضل بن سهل فيما بعد، وسماه القلم الرياسي، وهو يتفرع إلى بضعة أقلام مثل نصف الرياسي والمحقَّق والمنثور والوشي والرقاع والمكاتبات والنرجس والبياض.

أما النقلة الأهم بين نُقْلة قطبة المحرر ونُقْلة ابن مقلة، فقد تمَّت على يد الأحْول المحرر وكان تلميذًا مبدعًا لإبراهيم السجزي، قام بترتيب الأقلام الثقال بدءًا من الطومار، ثم الثلثين والسجلات، فالعهود والمؤامرات ثم الأمانات والديباج، فالمدمج والمرصّع، ثم قلم النسّاخ. وينسب إليه اختراع خفيف النصف وخفيف الثلث، والمسلسل، وغبار الحلية، وخط المؤامرات، وخط القصص والحوائجي. وقد استخدمت المصادر التاريخية كلمة خط بدءًا من بعض الأنواع التي ابتكرها بدلاً من كلمة قلم التي كانت سائدة للدلالة على تسميات لقياسات مختلفة من الأقلام تتناسب استخداماتها وقطوع الورق. وتنسب إلى قلم الطومار الذي حدّد عرضه بما يساوي أربعًا وعشرين شعرة من ذيل الحصان التركي، فكان عرض قلم الثلثين 16 شعرة والثلث 8 شعرات، وهكذا. ولم تكن أنواعًا بالمعنى المعروف ولكنهم استخرجوا منها الثقيل والخفيف، وأكسبوها من خلال ذائقتهم الفنية وتراكم جهودهم خصائص مختلفة ميّزت الخطوط الأصلية الموزونة التي برع فيها عدد من الخطاطين الأفذاذ، كان من أبرزهم طبطب المحرر رأس المدرسة المصرية، وإسحاق بن إبراهيم البربري أستاذ ابن مقلة ومؤلف تحفة الوامق أول كتاب أمكن تسجيله في الخط العربي.


الخط المنسوب

كانت الخطوط الموزونة قد وصلت إلى درجة من التطور، فأصبح لها نسب قياسية خاصة، وبلغ عدد أقلامها أربعة وعشرين قلمًا عندما ظهر الخطاطان العبقريان الوزير أبو علي محمد بن مُقْلة ثم أخوه أبوعبدالله الحسن بن مقلة اللذان نقلا الخط العربي نقلة فنية نوعية. لم تتفق المصادر التاريخية حول من كان له الدور الأكبر فيها. وقد كانا على درجة عالية من الدراية والتعمق والبراعة والتجويد، فتوصل أحدهما ـ أو كلاهما ـ في بدايات القرن الرابع الهجري إلى تأليف ستة أنواع من الخطوط هي: الثلث والريحان والتوقيع والمحقَّق والبديع والرقاع. وهنْدس أحدهما مقاييسها وأبعادها، ووضع معايير لضبطها والوصول بها إلى صيغ جمالية محكمة، معتمدًا في ذلك على العلاقة بين النقطة والدائرة والخط. فجعل حرف الألف الذي حدد طوله بعدد من النقاط قطرًا لدائرة ونسب إليه الحروف جميعًا، فكانت هذه انطلاقة الخط المنسوب الذي أبدع فيه عدد من الخطاطين طوال قرن من الزمن ليصل إلى محمد بن السمسماني ومحمد بن أسد الكاتب البزاز البغدادي الذي نقل كتابًا عن ابن مقلة، وكان هذان أستاذين تتلمذ عليهما الخطاط البغدادي المبدع أبو الحسن علي بن هلال، ابن البواب.

درس ابن البواب خطوط ابن مقلة دراسةً معمقة مدققة استطاع بعدها أن يطور أسلوبه والقواعد التي وضعها للخط المنسوب منتقلاً به إلى مرحلة أكثر رقيًا وجمالاً عبر اصطفائه لأساليب تجمعها خصائص جمالية مشتركة؛ نقّحها وحوّلها إلى طرق سار عليها فن الخط العربي قرونًا ثلاثة تالية، لتنتهي إلى زينب بنت أحمد الإبري البغدادي الملقبة بشُهدة، التي يقال: إن ياقوت المستعصمي تتلمذ عليها، ثم الموسيقي الشهير الخطاط صفي الدين عبدالمؤمن الأرموي أستاذ أبي المجد جمال الدين ياقوت بن عبد الله المستعصمي.

دقق ياقوت المستعصمي خطوط ابن مقلة، وخطوط ابن البواب بشكل خاص، فوجد أن القواعد التي أوصلا الخط المنسوب إليها متينة ومتماسكة من حيث مقاييسها وأبعادها ومعاييرها الجمالية الهيكلية، ولكنها تحتاج إلى أسلوب أرقى في الأداء يضيف إلى جمال هيكلها ونسبها جمالاً في تفاصيل حروفها وتناغم أجزائها. فركز جهوده في هذا الاتجاه، وتوصل إلى اختراع طريقة غير مسبوقة في بري القلم؛ فجعل شحمه أقل رهافة، وزاد من تحريف قَطّته مما شكل نقلة جمالية كبرى في تجويد الأقلام الستة المنسوبة جميعًا، سرعان ما أعطت ثمارها فانتشرت في مختلف المراكز الثقافية المنافسة لبغداد التي فقدت ثقلها في توجيه مسيرة الخط العربي بعد سقوط الدولة العباسية ووفاة ياقوت.

كان خط النسخ قد شهد تطورًا كبيرًا في الشام منذ أواخر القرن الخامس الهجري، وحظي بنصيب وافر من التجويد مع خط الطومار ومشتقاته. ونافست مصر العراق في الاهتمام بالخط العربي منذ العصر الفاطمي؛ فطورت أنواعًا جديدة من الكوفي، وواكبت مسيرة الخط المنسوب فيها مسيرته في العراق، وسابقتها في تجويده، وتطور تدريسه فيها حتى أصبح له معلمون متخصصون متفرغون لتعليمه، يعملون بناء على أسس محددة يمكن أن نرى مثالاً لها في كتاب العناية الربانية في الطريقة الشعبانية لزين الدين شعبان بن محمد الآثاري. وقد أدى هذا إلى تطور كبير في خطي الثلث والثلثين. وفي الوقت نفسه، ظهر وتطور في فارس خط التعليق بعد أن حلَّت الحروف العربية محل الحروف الفهلوية في كتابة اللغة الفارسية. وربما كان هذا الخط تطورًا عن خطي التوقيع والرقاع تعود بداياته الأولى إلى أوائل القرن الرابع الهجري. وقد اكتسب خصائصه المعروفة في القرن السابع الهجري، ليقوم خطاط مبدع في القرن التاسع الهجري هو مير علي التبريزي بابتداع وتجويد خط متطور عنه سمي نسخ التعليق أو نستعليق، يمتاز بالرقة والرشاقة والتناغم الجميل بين الرقة والغلظ في كتابة حروفه ومدّاته، ووضع له نسبًا خاصة. وقد اشتهر باسم الخط الفارسي.

المدرسة العثمانية

يمكن القول إن تطور خط النسخ في الشام، والثلث والثلثين في مصر شكّلا منهلاً نهل منه الخطاطون الأتراك وأساسًا اعتمدوا عليه ليحدثوا نقلة مهمة في تجويد بعض أنواع الخط المنسوب. وقد أدى استقدام السلاطين لخيرة خطاطي العراق والشام ومصر، ضمن من استقدموهم من فنانين وصنّاع إلى الآستانة، دورًا كبيرًا في النهضة الخطية التي شهدتها الدولة العثمانية. وكان الأتراك يستخدمون خط التعليق الفارسي في كتابة لغتهم التي كانت قد تحولت أيضًا إلى الحروف العربية، بالإضافة إلى الخطوط المنسوبة التي كانت لها استخدامات مختلفة. وقد برز في أواخر القرن التاسع خطاطان اتبعا طريقة عبدالله الصيرفي البغدادي كان لهما دور كبير في تطور تجويد الخط العربي.

أولهما الشيخ حمدالله الأماسي الذي جمع خطوط ياقوت المحفوظة في الخزانة العثمانية، فدرسها، وانتقى من حروفها أجمل الأشكال والأساليب، لتكون هاديًا ودليلاً له في تطويره للأداء الجمالي للخطوط المنسوبة؛ وثانيهما الخطاط أحمد القره حصاري الذي برع في التراكيب والتشكيلات الخطية. وقد أدى التنافس بينهما إلى توسيع دائرة المجودين لتنتهي في أواخر القرن الحادي عشر الهجري إلى الحافظ عثمان بن علي الخطاط المجود الشهير صاحب المصاحف الذي استقرت الأقلام الستة بطريقته. ثم أتى الخطاط المبدع مصطفى راقم في أواخر القرن الثاني عشر الهجري ليضع اللمسات الأخيرة على طريقة تجويد جليّ الثلث التي لا تزال متبعة حتى الآن. وقام الخطاط سامي أفندي بتطوير الأرقام وعلامات التشكيل وإشارات الحروف المهملة حتى بلغت شكلها المعروف اليوم. وقد تسابق الخطاطون في تراكيب خط الثلث وجليّه مما أدى إلى تطور جمالي كبير فيها كان من نتيجته إجراء بعض التعديلات في مقاييس بعض الحروف بما يخدم التشكيل الخطي، وإحداث علاقات من التناغم بين غلظ القلم ورقة التشكيل وإشارات الحروف المهملة. وانتهى تجويد الثلث والنسخ والرقاع إلى فرعين على درجة عالية من الجمال يقف على رأس أولهما الخطاط قاضي العسكر مصطفى عزت، ويقف على رأس الثاني الخطاط محمد شوقي.

من ناحية أخرى، كان خط نسخ التعليق الفارسي يتطور بشكل تدريجي، عندما أتى الخطاط الشهير مير عماد الحسني في أواخر القرن العاشر الهجري فدرس هذا الخط، وارتقى به إلى درجة عالية من التناسق والجمال والرقة. وقام تلميذه درويش عبدي البخاري بنقل طريقته إلى إسطنبول، حيث أقبل الخطاطون على استخدامها في كتابة القطع الخطية، وقام محمد أسعد اليساري باشتقاق طريقة جديدة منه أقبل عليها كثير من الخطاطين، وخصوصًا جليّها الذي طوره الخطاط مصطفى عزت أفندي ابن اليساري، إلا أن خط التعليق التركي لم يرقَ إلى جماليات الفارسي، فلقد أهمل الأتراك الشكل التركيبي منه، وقللوا من مرونته ورشاقته.

وقد أضافت المدرسة العثمانية بعض الإضافات النوعية، فظهر الخط الديواني الذي تعود جذوره إلى التوقيع والرقاع والتعليق، وتطور بشكليه العادي والجلي، فوضع أصوله الخطاط محمد منيف في عهد السلطان محمد الثاني، ثم طورها ونشرها الصدر الأعظم شهلا باشا في عهد السلطان أحمد الثالث وجوّدها السلطان مصطفى خان، ثم طورها الخطاط نعيم. وبرع في هذا الخط الخطاط سامي، والحاج أحمد الكامل آخر رئيس للخطاطين في الدولة العثمانية، بالإضافة إلى ممتاز بك الذي وضع في عهد السلطان عبدالمجيد خان قاعدة لخط آخر أضافه العثمانيون، هو خط الرقعة الذي طوره الخطاط محمد عزت أفندي، وهو خط يصلح للاستخدام اليومي وليس للأعمال الفنية. وابتكر الخطاط عارف حكمت خطًا سماه السنبلي، إلا أنه لم ينتشر رغم أنه على درجة لابأس بها من الجمال. وطور الخطاطون العثمانيون تصميم الطغراء التي تعود بداياتها إلى سلاطين المماليك في مصر، واستخدمها السلاطين العثمانيون جميعًا.

كما اهتمت المدرسة العثمانية بتعليم الخط وتنشئة الخطاطين، حتى إن كثيرًا من سلاطينها ووزرائها تعلموه. وقد استفادت هذه المدرسة من التقاليد التي كانت المدرسة المصرية قد أرستها، وأصبح سائدًا نظام منح الشهادة أو الإجازة الذي كان ابن الصايغ قد وضعه. وقد مال الخطاطون، حتى المتميزون منهم، إلى محاكاة خطوط سابقيهم وتقليدها، الأمر الذي يمكن أن يكون أحد أسباب الروح المحافظة التي سادت المدرسة العثمانية بعد المجودين الأعلام.

المدارس العربية الحديثة

ظلّت شجرة الخط في البلدان العربية مثمرة رغم الإهمال والظلال التي حجبت عنها النور بعد تركز الأضواء على الآستانة، فاستمر الخط العربي في العراق لينتقل نقلة نوعية تتميز بالقوة والجمال على يد الخطاط الكبير هاشم محمد البغدادي الذي جود جميع أنواع الخط العربي بخصوصية كانت أساسًا لمدرسة العراق الحديثة تجمع ميزات المدرسة العراقية والمدرسة المصرية والمدرسة التركية.

وفي الشام، انتهى الأمر إلى الخطاط مصطفى السباعي الذي كان هو والخطاط التركي يوسف رسا، وتلميذه ممدوح الشريف أساتذة للخطاط بدوي الديراني الذي جود جميع الخطوط بأسلوب متميز جميل، وطبع خط التعليق بطابعه الخاص كما طور طريقة جميلة من الخط الديواني، بالإضافة إلى إجادته للخط الكوفي، مما جعله رأسًا للنهضة الخطية في الشام. أما في مصر، فقد استمر الخط العربي عبر عدد كبير من الخطاطين حتى كان عهد أسرة محمد علي، حيث اتجهت الأضواء مرة أخرى إلى القاهرة، فبرز الخطاط محمد مؤنس الذي أخذ الخط عن والده، وبرع فيه. وكان صاحب الفضل الأول في النهضة الخطية الحديثة في مصر. وقد درّس عددًا كبيرًا من الخطاطين، ووضع كتاب الميزان المألوف في وضع الكلمات والحروف.

ثم كان هناك عدد من الخطاطين الأفذاذ أمثال محمد جعفر ومصطفى الحريري ومحمد الجمل وعدد كبير من الأساتذة الذين درّسوا في مدرسة تحسين الخطوط الملكية التي أنشأها السلطان فؤاد بعد الانقلاب الكمالي الذي عصف بالحروف العربية في تركيا. وكان من أبرزهم الخطاط التركي عبدالعزيز الرفاعي، والخطاط مصطفى غزلان الذي طور الخط الديواني تطويرًا جماليًا كبيرًا، والأستاذ يوسف أحمد الذي أحيا الخط الكوفي من جديد وقام بتدريسه ونشره، والخطاط محمد حسني الدمشقي الذي برع كثيرًا في التراكيب الخطية التي ابتدع فيها أسلوبًا خاصًا اتبُع من بعده. ويضاف إلى هؤلاء عدد كبير من الخطاطين الأعلام أمثال محمد إبراهيم الذي افتتح في الإسكندرية مدرسة خاصة لتعليم الخط، وأحيا بعض أنواع الخط الكوفي، والأستاذ سيد إبراهيم الذي كان من أوائل المدرسين في مدرسة تحسين الخطوط الملكية وأستاذًا لعدد كبير من الخطاطين والأستاذ محمد عبدالقادر، كبير مفتشي مدارس تحسين الخطوط المنتشرة اليوم في أنحاء مصر.

وفي المغرب العربي، حافظ الخط العربي على بعض سمات الخطوط الأولى. وظهرت أولى أساليبه في القيروان كاشتقاق يحمل سمات جمالية خاصة عالية من خط المصاحف الكوفي، عُرف بالخط القيرواني، ثم تطور عنه خط نُسب إلى المهديّة. وتطور في الأندلس نوعان أساسيان، أحدهما تكثر فيه الزوايا سُميّ بالكوفي الأندلسي؛ والآخر تكثر فيه الانحناءات والاستدارات سُمي بالقرطبي أو الأندلسي، استخدم في نسخ المصاحف والكتب وكان لتعليمه تقاليد خاصة في الأندلس والمغرب. وقد ساد هذا النوع في المغرب العربي كله حتى أواخر حكم الموحدين. ثم ظهر الخط الفاسي ثم السوداني أو التمبكتي (نسبة إلى تمبكتو في مالي)، ويمتاز بكبره وغلظه، والتونسي الذي يعد أكثر الخطوط المغربية مرونة، والجزائري وهو حاد الزوايا. ويستخدم الخطاطون في المغرب العربي أقلامًا تختلف عن أقلام المشارقة من حيث بريها وقطتها التي تميل إلى الاستدارة. وفي العقود الأخيرة، شاع استخدام الخطوط العربية المشرقية للاستخدامات الفنية بشكل كبير، وأقبل الخطاطون المغاربة على تعلمها وتجويدها.

وقد ظهرت في البلدان العربية تصاميم فنية لخطوط جديدة، وتم إحياء وتطوير بعض أنواعها الجميلة المهملة، وانتشرت اللوحات الخطيّة ومعارضها. إلا أن الخط العربي لم يعد يلقى العناية والتشجيع اللازمين بما يكفي من الجهات الرسمية، وأصبح يعتمد في بقائه ونموه على الجهود الفردية لفنانيه وعشاقه ومحبيه وبعض المدارس والمراكز التعليمية الفقيرة.