ألبوم الصور
الرعي
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3232405
العوامية قرية بملامح مدينة لا تهم أحداً
صحيفة اليوم - « عبيد السهيمي » - 23 / 8 / 2004م - 6:50 ص


كانت هناك رائحة تزكم الانوف اثناء التجول داخل العوامية القديمة (الديرة) كما يسميها ابناؤها الان. كانت الروائح خليطا من تاريخ مضى وبشر مروا في نفس المكان وقصص علاقات انسانية لم تبق منها الا الذكريات عندما تحطم السور ودفن خندق الماء، الذي كانوا يعولون عليه بعد الله سبحانه وتعالى في حمايتهم من شر الغزاة بعد ان كفتهم بساتينهم ومزارعهم غائلة الفقر. تمتد العوامية في كافة الاتجاهات. المنازل تبدو آيلة للسقوط في عين الرائي لها للوهلة الاولى بيما كانت تحكي تاريخ بلدة قاومت كل اسباب الفناء لتتوارى داخل ذاتها ولتجعل من ابنائها معدنا آخر غير ابناء القرى الاخرى.

تقليد خاص

كان زكي الصالح ـ باحث ومهتم بالتراث ـ يقول وهو يشير الى بعض المساحات داخل الاحياء القديمة.. كانت هنا تعيش عائلة آل فلان وكانت هناك مجموعة من المنازل التي اقيمت على بعضها بحيث تسكن كل عائلة فوق منزل العائلة الأخرى.. وكان الصالح حزينا وهو يؤكد ان هذا التقليد متعارف عليه في العوامية.
وعندما دخلنا الى احد المنازل الذي لا تتعدى مساحته عشرة امتار مربعة ذكر اسعد النمر ان هذا المنزل يخص عائلته وان احدى حجراته كانت مخصصة لابن عمه وعائلته.. وفسر ذلك بقوة العلاقات الاسرية التي تجعل ابناء العمومة يسكنون منزلا واحدا اضافة الى الاوضاع الاقتصادية التي كانت تقف حائلا امام من يريد منزلا مستقلا.

إهمال

الرحلة داخل حي المسورة اشبه بالرحلة في مدن الاشباح.. فكان منظر المنازل الايلة للسقوط هو السائد في الحي فمع ما تحمله هذه المنازل من قيمة تراثية عريقة تقابل بالاهمال سواء من قبل ابنائها الذين هجروها الى منازل حديثة طلبا للراحة والسعة او من قبل الجهات الحكومية المهتمة بالتراث.

وتتعالى صرخات ابنائها من المهتمين بالقيمة الاثرية لهذه القرية للمسئولين بترميمها واعادة تأهيلها ووضعها كقرية نموذجية تحكي الطرز الثقافية والاجتماعية والعمرانية لاحدى قرى القطيف.. يتحدث في هذا المجال زكي الصالح قائلا: العوامية مليئة بالآثار فمنطقة الزارة هي المدينة الاولى التي تفرعت عنها العوامية.. وقد اقيمت في القرن الثالث الهجري ودمرت على ايدي القرامطة ثم بنيت بعد ذلك العوامية ومنطقة الزارة هي احد احياء العوامية حاليا وتعتبر من الاماكن الزاخرة بالآثار مثل المقابر والفخاريات والنقوش. ويضيف الصالح: يجب ان يهتم المسئولون بهذه الاثار لان المواطنين لا يستطيعون ذلك لامكانياتهم المحدودة.

ويوضح الصالح ان منطقة المسورة بمساحتها وبأبنيتها التي مازالت مقامة يمكن ان ترمم ويعاد تأهيلها لتكون قرية نموذجية يقام في احد جوانبها متحف تجمع فيه آثار المنطقة ويكون عامل جذب وتعريف للزوار والسياح بهذا المكان.

قلق

اثناء الانتقال داخل دهاليز (المسورة) التقينا بأحد ابناء العوامية الذي فضل بناء منزل حديث مكان القديم في المسورة وهو عبدالله علي النمر الذي ابدى قلقه من المنازل المهجورة.. فقد تسقط في اي وقت.. واضاف: اصحاب هذه المنازل هجروها منذ فترة طويلة ولم يعودوا يهتمون بها لذلك فهي تشكل خطرا على الساكنين في نفس الحي. وعندما ذكرنا له ان هناك من يسكن هذه المنازل علق بأن هؤلاء فقراء ومساكين لا يجدون شيئا والخوف ان تسقط المنازل على رؤوسهم. كان الانتقال من جانب الى آخر يتم عبر دهاليز مسقوفة.. يذكر اسعد النمر انها كانت تستخدم كمجالس في الصيف بسبب البرودة النسبية التي توفرها للجالسين.

الثبات والتحول

اثناء تنقلنا في احياء العوامية التقينا بنصر المشيخص الذي ذكر ان العوامية لم تعد تلك القرية التي تنام داخل السور بل تمددت في كل الاتجاهات ولكنها بقيت تعامل كقرية شوارعها ضيقة والشارع الرئيسي بها خطط منذ اكثر من 45 سنة ولم تطرأ عليه توسعة طوال هذه السنين: ويضيف المشيخص: فرع البلدية في العوامية غير مخول باعطاء تصاريح فتح محلات او بناء منازل.. ويتساءل: لماذا نضطر الى الذهاب الى القطيف كلما احتجنا الى تصريح من البلدية فما فائدة هذا الفرع؟

الخدمات

فؤاد علي ـ احد ابناء العوامية ـ يذكر ان هناك خدمات كثيرة تحتاجها العوامية مثل مستشفى او بناء مركز رعاية صحية آخر ليخفف الضغط على المركز الحالي الذي يستقبل يوميا اكثر من 300 زائر بينما لا يوجد به غير طبيبين. ويين ان العوامية مازالت تعامل كقرية بينما عدد سكانها يتجاوز 30 الف نسمة.. يعتمدون على مركز رعاية صحية واحد ويربطهم بالمدن والقرى الاخرى شارع لا يتجاوز عرضه 10 امتار يسميه اهل العوامية شارع الموت لكثرة عمليات الدهس والزحام التي تميزه. ويضيف فؤاد: يمكن التخفيف من كل هذا الزحام الذي يضطرنا الى التأخر عن اعمالنا بسفلتة المساحة الفاصلة بين حي الجميمة وشارع الهدلة.

عيون الماء

كانت العوامية تبدو للزائر لأول وهلة اكثر بهاء وحيوية وهي تستقبله ولكن عندما يقع في احضانها يكشف انها تموت في صمت فعيونها الـ22 جفت بعد ان كانت ملء السمع والبصر.

تهدمت.. وغارت مياهها الى مكان سحيق.. حسين محمد الطرموخ يحكي قصة احدى العيون (الطيبة) التي ذكر انها كانت تمتد الى حوالي 5 كيلو مترات حيث كانت غزيرة المياه وقبل حوالي 5 سنوات غارت مياهها ولم يبق منها الا السور وآثار ماء.. وغيرها كثير، 22 عينا اصبحت اثرا بعد عين.

ملاحظات عابرة


تبدو الحركة وسط العوامية اقرب الى الركود.. ففي بعض فترات اليوم يستخدم ابناء العوامية طرقا جانبية اذا كانوا في عجلة من امرهم للوصول الى الطرق الخارجية في وقت اقل فهي كما يقول أبناؤها انها المدينة الوحيدة التي لا تعرف اشارات المرور او اللوحات الارشادية سواء المرورية او اسماء الاحياء داخل العوامية او حتى اسم العوامية على الطرق الخارجية.

«الزارة».. عاصمة البحرين المحترقة

العوامية هي البنت الشرعية لمدينة الزارة التي كانت عاصمة بلاد البحرين طيلة العصر الجاهلي والعصور الاولى من الاسلام. وصفها علامة الجزيرة العربية الشيح حمد الجاسر قائلا: «الزارة اسم بلدة من اقدم مدن الخط عرفت ابان ظهور الاسلام وجهل تاريخها قبل ذلك وكانت مقر والي البحرين من قبل الفرس حين كان نفوذهم ممتدا الى هذه البلاد في العهد الجاهلي.» وقد برز اسم الزارة خلال بعض الاحداث البارزة في التاريخ الاسلامي كحركتي الردة وحروب القرامطة الذين احرقوها. اما العوامية فيظهر انها كانت احدى ضواحي الزارة وتم تعميرها على يد زعيم الازد وامير الزارة (الحسن بن العوام) في القرن الثالث الهجري ونسبت اليه.

وتقع العوامية على ساحل الخليج العربي من الطرف الشمالي من واحة القطيف على خط طول 50 درجة شرقا 22 ـ 26 درجة شمالا. وتبعد عن مدينة صفوى 2 كم. وعن مدينة القطيف 3كم. ويتميز سطح العوامية باستوائه وانحداره النسبي باتجاه البحر مع وجود سلسلة من التلال الرملية جهة الغرب. ومع وجود بعض الهضاب الصغيرة ذات الصخور الرسوبية مثل جبل القوم وجبل جبيلات. ومناخها شديد الرطوبة صيفا وبارد شتاء وتبلغ مساحتها 40كم2 تقريبا ويبلغ عدد سكانها حوالي 30 الف نسمة.

نشر المقال بتاريخ 22-9-2003م