ألبوم الصور
مهرجان الدوخلة 1427هـ
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3264015
الموجز الخفيف في تاريخ القطيف
واحة القطيف - 14 / 5 / 2006م - 4:31 ص

تقع مدينة القطيف على خط 50 درجة من خطوط الطول و 26 درجة و 32 دقيقة من خطوط العرض، وتمتد واحتها على الساحل الغربي من خليج كيبوس المسمى بخليج القطيف والمتفرع من الخليج العربي، وهو خليج صغير، يبدأ جنوبا من الدمام، وينحني غربا الى الداخل، حيث تقع واحة القطيف. ثم يتوغل الى الشمال، وينعطف الى الشرق حتى راس تنورة، وتقع جزيرة تاروت في وسطه، ومياه هذا الخليج ضحلة للغاية، واراضيه طينية متكلسة، تكثر فيها الأعشاب البحرية، ويغمرها البحر أيام المد، وينحسر عن اغلبها أيام الجزر.

أما من الناحية الغربية فتحدها صحارى البيضاء بتلالها الرملية. وهي صحارى تكثر فيها الآطام والمياه وبعض أشجار النخيل كما يصفها الأزهري، والتي تمتد غربا من الجوف الواقع غربي بقيق ووادي المياه (الستارين)، وشمالا أراضى الكويت، وجنوبا الاحساء والعقير، وهي تتميز بطيب التربة، لارتفاعها عن مستوى البحر وبكثرة رمالها التي تزحف أحيانا على الواحة بفعل الرياح الشمالية العاتية، متجهة نحو الجنوب، فتغطي مساحات واسعة من بساتينها وإذا هطل الغيث اكتست سهولها بحلل خضر، فتنتجعها البداة لرعي ابلهم ومواشيهم، وقد كانت موطن قبائل البادية منذ العصر الجاهلي لكثرة مراعيها وتنوع ما ينبت فيها من الأعشاب والنباتات.

وتقع القطيف في منتصف الساحل الذي يمتد من الكويت حتى قطر تقريبا، حيث تبعد عن الكويت بـ 230 ميلا وعن قطر بـ 222 ميلا وعن جزيرة البحرين بـ 36 ميلا. أما واحتها فتشكل غابة كثيفة من النخيل على امتداد الشاطئ من صفوى شمالا حتى سيهات جنوبا، وتحف بمدنها وقراها، وتكون لها بمثابة الحزام الأخضر، الذي يلطف مناخها ويحميها من رمال الصحراء.

أسماؤها:

القطيف بفتح أوله وكسر ثانيه على وزن فعيل مشتق من القطف، وهو القطع من العنب ونحوه – كما يذهب ياقوت في كتابه معجم البلدان – فهي عربية المعنى والمبنى، ولعل الإغريق حرفوا اسمها حين تعرفوا على هذه المنطقة، فذكروه في كتبهم كيتوس وهو يشير في دلالته الى اسمها الحالي.

ويعتبر النص المعروف لدى العلماء باسم (شرف الدين 42) والذي عثر عليه حديثا، ويعود الى القرن الثاني قبل الميلاد. وهو اقدم نص اثري عن اسمها، فقد جاء فيه ان الملك شمريهرعش أمر قواته بغزو ارض ملك (أو مالك) ملك أسد، فتقدمت نحوها، واتجهت نحو ارض قطوف (أي القطيف).

ولعل لفظ القطيف اتخذ صيغته العربية على هذا النحو منذ ان نزحت القبائل العدنانية الى هذه المنطقة، فطورته حسب لغتها، ولا يبعد ان يكون هذا الاسم – كما يذهب علماء الآثار – منقولا عن اسم قديم مجهول الأصل، فتاريخ هذه المنطقة ضارب في القدم، يمتد الى آلاف السنين، فمن ثم نجد أسماء قديمة لبعض قراها لا تزال مجهولة المعنى والمبنى، كسيهات والجش والتوبي وتاروت وسنابس، ولها نظائر من الأسماء الخليجية لا يعرف معناها كقلهات وصور وعراد وتوبلي وغيرها.

ومن المحتمل ان القبيلة التي ذكرها الجغرافيون الاغريق قد أعطت اسمها المنطقة، وهنا نجد التقارب بين لفظتي الخط والقطيف، وتكاد تكون تلك الكلمة قاسما مشتركا بينهما، إذ ان هذين الاسمين كانا يطلقان على المنطقة الساحلية بأسرها.

كما ان من أسمائها لينتي وهي ارض القطيف كما يذهب إليه كلاسر، وهو كذلك اسم لقبيلة كانت تسكن هذه المنطقة وهي فرع من اللحيانيين على رأي شبرنكر وكلاسر. ويذهب الدكتور عبد الوهاب عزام الى ان هذا الساحل كان يسمى القطيف قبل ان يغلب عليه اسم الخط، وقد عرفت أيضا مدينة باسم الخط بناها اردشير بن بابك (226-241م) في هذه المنطقة، واشتهرت به حتى بعد ظهور الإسلام، فقد جاء في أخبار الردة: ان الحطم بن ضبيعة استغوى الخط ومن فيها من الزط والسبابجة.

والقطيف كانت تعني فيما مضى الساحل الغربي من الخليج العربي، فهي مرادفة لكلمة الخط، وكان هذا الخليج يسمى بحر القطيف، كما يذكر صاحب التعريفات الشافية، وعلى هذا الاساس يمكننا ان نقول بان هذه المناطق الواقعة على الضفة الغربية من الخليج العربي كانت كلها ملحقة بالقطيف، باعتبارها المدينة المهمة الوحيدة على هذا الساحل في ذكل الحين.

وقد تعرض اسمها للتقلص في فترات من أدوار تاريخها، فكانت في عهد العيونيين تعني المنطقة التي تمتد من صفوى الى الظهران، كما ورد في شعر بن المقرب:

والخط من صفواء حازوها      فما ابقوا بها شبرا الى الظهران

حيث ذكر شارح الديوان بان الخط هي القطيف وصفواء طرفها الشمالي والظهران طرفها الجنوبي، وقد عد لوريمر قبل ثمانين سنة مدينة الدمام التي كانت قرية مهجورة ضمن قراها وكانت تابعة للقطيف حتى بعدى منتصف القرن الرابع عشر الهجري.

ثم مازال اسم القطيف يتعرض مدلوله للمد والجزر، حتى اقتصر أخيرا على الواحة بما فيها من مدن وقرى، والتي تمتد من صفوى وأم الساهك شمالا وسيهات جنوبا والآجام غربا وجزيرة تاروت شرقا والواحات الصغيرة المتاخمة لها.

تكوينها الجيولوجي:

يقرر الجيلوجيون ان شبه الجزيرة العربية كانت فيما مضى متصلة بالقارة الأفريقية، وقد تصدعت تلك القارة، فانفرج منها شق ضخم، يمتد من الشمال الى الجنوب، وتحول الى واد عميق، ثم ما لبثت مياه البحر في العصر الثلاثي ان اكتسحت ذلك الجزء المنخفض، فتكون منه البحر الأحمر، وقد نشأ من جراء ذلك الانفصال ضغط كبير من شبه جزيرة العرب، فتكونت منه جبال زاغروس الإيرانية، التي توازي الخليج العربي، ثم تعرض هذا الجزء الشرقي من سبه الجزيرة العربية الى هبوط مستمر، وخضع الى عمليات ترسيب عديدة، وتناوبها الغمر والانحسار في فترات متعاقبة، وكان للتقلبات الجيولوجية وتناوب الغمر والانحسار التي غلفت بقايا الحيوانات والنباتات ابعد الأثر في تكوين حقول الزيت.

وتتألف ثلثا هذه المنطقة من طبقات رسوبية، تحولت على مرور الزمن بفعل الضغط والانصهار الى طبقات صخرية، بعضها فوق بعض، وتتكون هذه الطبقات من أحجار طينية أو كلسية أو جيرية وتكثر هذه الصخور في الأراضي التي وجد فيها البترول.

وحقول الزيت تقع في نطاق الصخور الرسوبية الايوسينية والكريتاسية والجوراسية، ومن الملاحظ ان تلك الطبقات الأقدم قد توجد فوق الطبقات الأحدث منها، كطبقة العصر الايوسيني التي تعود الى 60 مليون سنة، حيث نراها فوق طبقتي العصر البليوسيني والميوسيني نتيجة للتقلبات الجيولوجية، التي جعلت عاليها سافلها.

أما المياه الجوفية فتكمن في طبقات من الصخور الجيرية والايوسينية القريبة من سطح الأرض نوعا ما، وهي تختزنه في هذه الطبقة، التي تعود الى العصر الايوسيني، وتظهر على شكل ينابيع غزيرة، لتشقق الصخور التي تعلو الطبقة الايوسينية الحاملة للمياه، وتتفجر الينابيع أثناء الحفر أحيانا تظهر على سطح الأرض، كالينابيع البحرية التي يستقي منها الغواصون.

أما المياه القريبة من سطح الأرض فيبدو أنها نتيجة تسرب سيول الأمطار المتحدرة من أعالي نجد وأوديتها، بعد ان تغور في الرمال، ثم تظهر قريبة من سطح الأرض الى الشرق من منطقة الصمان، وتشكل حسيا، ومنها جاءت كلمة الاحساء وهي جمع حسي، وهي التي تمد الآبار القليلة العمق في منطقة القطيف والاحساء وصحراء البيضاء.

وواحة القطيف غنية بهذه الينابيع وبالطبقات التي تختزن المياه، كما أنها تقع على بحر من الزيت، يمتد من الشمال الى الجنوب، وتجثم على هذا الحقل المعروف بحقل القطيف وفقا لما تحدده الخرايط الجيولوجية الرسمية.


سطحها الطبوغرافي:

تتكون تربة الواحة الخصبة في الأغلب من مواد طينية سمراء، وهي لا تزيد في عمقها على بضعة أمتار، تليها الطبقات الصخرية، التي تختزن المياه الجوفية، وتبرز في بعض المواضع الطبقة الصخرية على شكل هضبات صغيرة، وفي الأغلب تستوي مع سطح الأرض، كما تشاهد في عدد من المواقع التي تقوم عليها القرى المنتثرة في الواحة، وقد لوحظ ان تلك المواقع الصخرية تتخذ للمجمعات السكنية ومقرا لأهل القرية قديما، لارتفاعها ونقائها من الرطوبة التي تزخر بها الأرض الزراعية، ولعله روعي ذلك عند تأسيسها، لتكون بعيدة عن رطوبة الواحة، والناظر إليها من الجو تتراءى له هذه القرى وكأنها بقع بيضاء منتثرة على بساط اخضر.

أما من الناحية الغربية من الواحة، فتختلط تربتها بالرمال الزاحفة عليها من صحراء البيضاء، وتشاهد التلال الرملية الصفراء على مقربة منها، وهي غير ثابتة مستقرة، إذ نراها تنتقل من محل الى آخر، متجهة نحو الجنوب، بفعل الرياح الشمالية العاتية، وأحيانا تزحف على الواحة، فتغطي مساحة كبيرة من بساتينها، حتى لا يرى الا كرانيف النخيل، ولكنها ما تلبث ان تنحسر عنها في سنوات قليلة، لتنتقل الى مواضع أخرى، ميممة شطر الجنوب.

أما من الناحية الشرقية فتقع الواحة على امتداد الساحل مباشرة وكأنها شريط اخضر يمتد من الشمال الى الجنوب، وتلقى فضلات مياهها في البحر، فإذا كان المد دخلت مياه البحر الى تلك المصارف، مما كان له أسوأ الأثر على خصوبة تلك الأراضي الزراعية الساحلية، وإذا كان الجزر انحسرت مياه البحر لمساحات شاسعة، وكونت فضلات المياه اخوارا، أشبه شيء بالأنهار الصغيرة في الأراضي البحرية.

وترتفع أرضها عن سطح البحر بضعة أقدام، ويتراوح المد والجزر على سواحلها مرتين في اليوم، ويبلغ المد أقصى ارتفاعه مرتين في الشهر القمري، في أوله وفي منتصفه، حتى يحاذي أتراضيها الساحلية عل ارتفاع ثلاثة أمتار، وإذا كان الجزر تحولت تلك الأراضي البحرية الموحلة الى مزرعة تزخر بالنباتات البحرية، واستخدمت المواصلات البرية بينها وبين جزيرة تاروت في الأيام السالفة.

وخليج القطيف غير صالح لرسو السفن الكبيرة التي يزيد غطاسها على ستة أقدام، ولا تستطيع حتى في حالة المد الدخول الى المرسى الداخلي سابقا، وتمتد الشعب الصخرية في البحر في اتجاه المدينة لمسافة عشرة أميال.

وتقع في هذا الخليج جزيرة تاروت، التي تبعد عن القطيف سابقا بثلاثة أميال، والتي تقدر مساحتها بأربعة أميال طولا ومثلها عرضا، وهي لا تختلف في طبيعة أرضها عن الواحة كما توجد على بعد ميلين عن القطيف جزيرة صغيرة، أقيم عليها برج، يدعى (ابو الليف) يرجع بناؤه الى عهد البرتغاليين، وقد بني ليكون مركزا دفاعيا.

أما في الوقت الحاضر وقبل عشر سنوات تقريبا فقد تغيرت خارطة المدينة، فبعد ان كانت قلعة تحتل رقعة صغيرة يحيط بها سور، وتحف بها بعض الأحياء الصغيرة في شريط ساحلي صغير تكتنفه النخيل من كل جانب عدا جهة البحر الموالي للقلعة، حيث كانت أمواج البحر ترتطم بجدران سورها.. أخذت المدينة في الاتساع فالتهمت البساتين المجاورة، ثم امتدت الى الناحية البحرية في الشرق والشمال، وسرقت المساحات الشاسعة من خليج كيبوس حتى اتصلت بجزيرة تاروت.. وكذلك الأمر بالنسبة لبقية المدن والقرى.

المناخ:

وكان لوقوع مدينة القطيف على الساحل مباشرة من الجانب الشرقي، والتفاف الصحراء القاحلة حولها من الجوانب الأخرى.. اثر كبير في تكوين مناخها، فعندما تهب الرياح الشرقية من البحر، والرياح الجنوبية المشبعة بالرطوبة، والتي تفد إليها من خليج العقير ترتفع نسبة الرطوبة في مناخها حتى تصل الى 90% في فصل الصيف، وتبعا لذلك ترتفع درجة الحرارة وتصل الى 44 درجة مئوية، ويكون الطقس مزعجا، وتصل الحرارة أقصى درجاتها خلال الفترة التي تمتد من منتصف يونيو حتى منتصف سبتمبر، أما في فصل الشتاء فتنخفض الحرارة ليلا الى خمس درجات سنتفرد، وقلما تصل الى الصفر، أما أثناء النهار ففي الغالب تتراوح درجات الحرارة ما بين 25 و18 درجة مئوية.

ويتأثر الطقس من ناحية الحرارة والبرودة بتغير اتجاه الريح تأثرا كبيرا في فصلي الشتاء والصيف وأثناء الليل والنهار، فإذا هبت الرياح الشمالية أو الغربية الوافدة، من الصحراء تخف الرطوبة الى درجة كبيرة، وتنخفض حدة الحرارة في فصل الصيف، ويكون الطقس محتملا، كما تزداد البرودة في فصل الشتاء، فيكون البرد قارسا، وبالعكس حينما تهب ريح الكوس يكون الطقس دافئا.

وتهب عليها رياح موسمية حارة خلال شهري مايو ويونيو، تعرف بالبوارح، وتحمل معها الأتربة والغبار، ولها تأثير كبير على نضج البلح، أما الرياح الاعتيادية فلها مسميات أخرى، فالرياح التي تهب منذ طلوع الشمس من الشرق، والمعروفة في اللغة العربية بالصبا والقبول، أو من الجهة الجنوبية والتي تعرف – لغة – بالجنوب.. تسمى كلها (الكوس) محليا، وهي دافئة تحمل نسبة كبيرة من الرطوبة، أما التي تهب من ناحية الشمال فتسمى شمالا، وهي جافة في فصل الشتاء، ملطفة للطقس في فصل الصيف، وهناك الرياح الغربية، التي تسمى (الدبور) في اللغة، وتفد من الصحراء أثناء الليل وتستمر حتى الصباح، وتكون جافة عليلة الانسام. أما ريح الكباء المتغيرة الاتجاه، فغالبا ما تهب عند خروج الشتاء، أو أثناء فصل الربيع وتضايق الملاحين، وربما سببت كوارث.

ويحل موسم الأمطار خلال فصل الشتاء بشكل متقطع ولا يتجاوز معدله في الأغلب عن 2.47 بوصة، وقد يزيد هذا المعدل أضعافا في بعض السنوات، كما يحدث هطول الأمطار خلال شهري نوفمبر وديسمبر، وأحيانا في شهري مارس وأبريل على نحو الندرة فتؤثر على طلع النخيل وثمار الأشجار والمحاصيل الزراعية، فتسبب لها أضرارا.

المواقع الأثرية والآثار:

دلت الآثار التي اكتشفت في سواحل هذه المنطقة على أنها كانت مهد لشعوب عريقة في الحضارة، وان لها تاريخا مغرقا، يمتد من العصر الحجري فالبرونزي، وتكاد تكون آثار الاستيطان البشري في المنطقة الشرقية من المملكة اكثر وضوحا من أي جزء آخر، ويرجع ذلك الى عدة عوامل: أهمها موقعها الاستراتيجي لتوسطها بين مراكز الحضارات القديمة كحضارة الهند والسند وفارس شرقا، وحضارة اليمن جنوبا، وحضارة وادي النيل غربا، وحضارة وادي الرافدين شمالا ثم إشرافها على جزء كبير من ساحل الخليج العربي الذي لعب دورا خطيرا في مجال الاتصالات البشرية والتبادل التجاري بين شعوب تلك الحضارات منذ اكثر من خمسة آلاف سنة قبل الميلاد.

وقد ظلت هذه المنطقة في محور تجاري وثقافي عبر القرون مع جيرانها وانعكست تلك الإسهامات على شكل مستوطنات ومخلفات اكتشفت حديثا في هذه المناطق، ولتمام الشبه بين هذه الآثار المكتشفة لحضارة إنسان هذه المنطقة وبين تلك الآثار التي اكتشفت في مواقع سابقة، كموقع موهنجو دارو بوادي السند، وموقع باكو وتل إيجاب في إيران وموقع العبيد والوركاء وجمدة نصر في جنوب وادي الرافدين، وباربار في البحرين، وأم النار في ابو ظبي، نسبت هوية تلك الآثار بالدراسة المقارنة الى تلك المواقع التي اكتشفت أولا.

والسبب في نسبتها الى تلك المواقع ان علماء الآثار والأنثروبولوجيين حتى الوقت الحاضر لم يتعرفوا بصورة جازمة على الأقوام والشعوب الذين استوطنوا هذه المناطق وخلفوا فيها الحضارات، فنسبوا تلك الآثار الى المواقع التي اكتشفت فيها، وكل ما صنعوه انهم صنفوها بالدراسة المقارنة حسب قدمها، وأرجعوها الى عهود بعضها مغرق في القدم، فكانت أولى هذه المراحل الحضارية حضارة العبيد بعصورها الأربعة، وتمتد من 5000-3600 سنة قبل الميلاد، وباربار وتاروت وجمدة نصر وأم النار الى 3000 سنة قبل الميلاد وهكذا دواليك.

وقد أثبتت الدراسات الاولية أهمية هذا الجزء من الناحية الأثرية والتاريخية حتى ذهب بعض الباحثين الى ان أصول حضارة العبيد تعود في جذورها الأساسية الى حضارة هذه المنطقة، ومنها امتدت الى جنوب وادي الرافدين، ومنها الى الشمال ثم انتشرت في المواضع الأخرى، وقد ثبت لدى الباحثين الانثروبولوجيينبان اقدم مراحل الاستقرار في القسم الغربي من الخليج تتمثل في شرق الجزيرة العربية وذلك استنادا الى المخلفات الإنسانية التي عثر عليها حتى الآن.

ان الأراضي الصحراوية الواقعة غربي واحة القطيف وجنوبها حتى الظهران والعقير، وشمالها حتى مدينة الجبيل وجزيرة المسلمية وكذلك المناطق جنوبي الخبر وبين الدمام والخبر ومنطقة صحراء البيضاء ووادي المياه وثاج والاحساء وجزيرة تاروت تكاد تمتلئ كلها بالآثار، وقد عثرت ارامكو أثناء مد خطوط أنابيب البترول على آثار مدفونة تحت الرمال، وأحيانا تكون بارزة على سطح الأرض، كما كانت تشاهد قطع من النقود وبقايا أوان فخارية قديمة مبعثرة هنا وهناك، يجدها المتجول دون عناء.

كما وجدت عيون كثيرة تربو على 150 عينا نظائر العيون التي تسقي سيحا في واحة القطيف مما يدل على ان صحراء البيضاء كانت مأهولة بالسكان والمزروعات، وهذا مصداق الأسطورة المتداولة بين السكان، والتي تقول بأن ريف القطيف كان متصلا بريف الاحساء فيما مضى، ويؤيد هذه النظرية ما عثرت عليه البعثة الدنمركية عام 1965م برئاسة جيوفري بيبي، إذ وجدوا قلعة طمرتها الرمال، على بعد عشرين كيلو شمالي العقير، كما وجدوا قنوات للري، وبدت المنطقة في اغلبها منطقة زراعية شاسعة، لا تقل عن المنطقة الزراعية في واحة القطيف، وقد غطتها كثبان الرمال، التي ترتفع الى علو مائة قدم، وعثروا على عملات نحاسية ورأس سهمين برونزيين ورأس سهم صواني وبضع خرزات وعشرين كسرة من الفخار، وكلها يرجع تاريخها الى ما قبل التاريخ، وقرروا ان يسموها مدينة الجرها، ومن المحتمل ان تكون هي مدينة القطيف، التي نزح منها سكانها حين اجتاحها الإعصار وطمرتها الرمال، وأصبحت خبرا بعد عين، ويبدو ان تلك الواحات الصغيرة المنتثرة في صحارى البيضاء حاليا من بقايا ذلك الريف العظيم الممتد من الاحساء الى القطيف.

والذي يعنينا في هذه الدراسة هو الحديث عن الآثار المكتشفة في واحة القطيف ونواحيها، لقد تم التنقيب في بعض المواضع، وان كان الكثير منها لم يحظ باهتمام البعثات التنقيبية لموانع قائمة، كوقوعها في ملكية خاصة كموقع الزارة بالقرب من بلدة العوامية والتي كانت عاصمة لهذه المنطقة، والتي كانت تتمتع بشهرة فائقة في التاريخ الإسلامي منذ الصر الجاهلي، حتى سنة 283هـ حين دمرها ابو سعيد الجنابي القرمطي فاندثرت منذ ذلك الحين، وانطمست معالمها، وابتلعت آثارها النخيل، ولا شك في ان موقع هذه المدينة العظيمة يحتوي على كنوز قيمة من الآثار لو أزيح الستار عنها وكذلك موقع القلعة وعنك وبلدتي تاروت ودارين وغيرها من المدن والقرى، لا سيما القرى التي اندثرت، والتي ذكرها المؤرخون والجغرافيون القدماء.

ولأهمية هذه المنطقة من الناحية الأثرية قامت بعثة المسح الأثرى فعينت 29 موقعا اثريا بمنطقة القطيف بالذات، كما هو موضح بالبيان والخارطة. أما تلك المواقع التي حظيت باهتمام البعثات التنقيبية فهي كالتالي:

1- المريقبات:

وهي موضع تكثر فيه التلال الرملية والصخرية ويقع الى الجنوب من سيهات على مشارف الصحراء، فقد وجدت فيه كومات صدفية، كما عثر في منحدراته الجنوبية الشرقية على عشرين حفرة غريبة الشكل، تبلغ سعة بعضها قدمان في قدم واحد، وأعماقها ثمان بوصات، بينما البعض الآخر يشبه التوابيت ويرى كورنول أنها استخدمت كمدافن.

2- جاوان:

وهو موضع يقع الى الشمال من صفوى على مشارف النخيل، وهو موضع تكثر فيه الهضاب الصخرية، لذلك اتخذت منه ارامكو مقلعا للصخور لدفن البحر أثناء عملية بناء مرفأ راس تنوره فأطلق على هذا الموضع (مقلع جاوان) الا ان الشركة نفسها عثرت أثناء عملية إزاحة الصخور على مقبرة غريبة الشكل، تتألف من طابقين، مبنية من صخور الملح الكبيرة ومسيعة بالجص، ومنظرها الخارجي – كما شاهدتها – يبدو على شكل صليب، ولها ممر مسقوف على كل جانب منه عدد من الغرف، تحتوي كل غرفة على قبر، والى جانبها عند المدخل قبور صغيرة يبدو أنها مخصصة للأطفال.

لقد كان هذا المكان الوحيد – كما يقول البحاثة جيوفري بيبي – الذي جرى فيه أول تنقيب شهدته الجزيرة العربية على الإطلاق، وقد اكتشفت ارامكو صدفة هذا الموقع أثناء إزاحة الصخور فعثرت على تل استيطان وأكمة قبر كبيرة، وسمح لها بترخيص من الحكومة بالتنقيب في أكمة القبر، فأسندت المهمة الى أحد موظفيها (ريك فيدال) فاكتشف أربعة قبور منهوبة وكمية من العظام البشرية لحالات دفن جماعية متأخرة، كما وجد خارج الغرفة الكبيرة التي كانت على شكل صليب فبورا بنيت بأحجار لم ينتبه أليها اللصوص، حيث وجد فيها لقي ثمينة تتألف من مجوهرات جميلة من الذهب والأحجار الكريمة يعود تاريخها الى القرن الأول الميلادي وقد سلمت مفاتيح هذا المدفن الى أمارة المنطقة.

كما عثرت ارامكو عام 1945م في جاوان على حجر تكسرت أطرافه بالمعاول قبل معرفته، وقد اتضح بأنه قبر لامرأة يقال لها جشم بنت عمرة (عمره) بن تحيو من أسرة عور (آل عور) من قبيلة شدب، ومن الملاحظ ان كتابة أحجار القبور التي عثر عليها في جاوان افتتحت بعبارة (نفس وقبر)، بينما الكتابات الأخرى التي عثر عليها في ثاج وقرب القطيف تبدأ بجملة (وكر وقبر).

3- تاروت:

وهي كانت سابقا جزيرة تقع في خليج كيبوس أو خليج القطيف، على بعد 4 أميال الى الشرق من مدينة القطيف نفسها، وكان البحر يحيط بها من جهاتها الأربع، الا ان توسع العمران التهم الجانب الغربي منها، فتحولت الى شبه جزيرة في الوقت الحاضر، وهذه الجزيرة تعتبر اقدم موقع للاستيطان البشري، ولها تاريخ مفرق في القدم، فهي موطن الفينيقيين الأوائل قبل نزوحهم الى شواطئ البحر المتوسط، لذلك حفلت بالآثار المهمة، وقد حظيت باهتمام البعثة الدنمركية فقامت بالمسح الأثرى فيها، وبدأت بالتل العالي الواقع في الجانب الغربي من مدينة تاروت، وهو الموقع الذي قامت على أنقاضه قلعة البرتغاليين، التي أعاد بناؤها الأتراك والتي مازالت معالمها بارزة حتى الآن.

لقد أسفرت هذه الأنقاض المتراكمة عن ثروة أثرية ثمينة، فوجدت تحتها بقايا هيكل عشتاروت، الذي يتكون من أحجار ضخمة منحوتة بحجم متر مكعب، مما يدل على ضخامة هذا الهيكل، كما اكتشفت البعثة الدنمركية أبنية تتكون من اربع طبقات سكنية، تتألف جدرانها من كتل حجرية مربعة الشكل، وعثرت أيضا على بئر عميق من المياه العذبة، تنصرف مياهه الى حوض كبير واسع من الأحجار الطبيعية، وعلى كسر فخارية منتثرة على سطح التل، وقد أظهرت دراسة الفخار بأن هذه الكسر تنتمي الى حضارة باربار (3000 قبل الميلاد) كما دلت الحفائر في الطبقات السفلى على ان هذا الفخار الموجود فيها ينتمي الى فترة مبكرة اقدم من عصر باربار وقد اكتشفت في هذه الطبقات تركة أثرية هامة، تتمثل في رؤوس سهام وكسر حجرية كالسكاكين والمكاشط و 200 كسرة فخارية، تتميز بأنها من النوع الخفيف الأصفر المخضر، والمزينة بأشكال هندسية ذات لون بني غامق، وقد تبين من هذه الدراسة التي قامت بها البعثة بأن هذا الفخار ينتمي الى عصر حضارة العبيد الأول (حوالي 4500 قبل الميلاد).

ويرى جيوفري بيبي ان الطبقات السفلى من هذا التل تضم حضارة العبيد، بينما تضم الطبقات العليا حضارة باربار، وبين هذه الطبقات يكمن الدليل على وجود التطور من المرحلة الأولى الى المرحلة الأخيرة، وقد أدى اكتشاف فخار حضارة العبيد في موقع تاروت الى المزيد من الحفائر والتنقيبات، تم تسجيل خمسة عشر موقعا، تضم العديد من الكسر الفخارية الملونة ومن هذه المواقع موقعان يبعدان نحو 40 ميلا عن ساحل الخليج، بينما تقع أغلبية هذه المواقع على الأرض السبخة المحاذية للساحل الحالي، وقد تم التوصل بالدراسة المقارنة الى التشابه التام بين فخار حضارة عصر العبيد والفخار الذي عثر عليه هنا، وشملت الدراسة أيضا المقارنة بين المخلفات الأثرية المتمثلة في حجر الاوبسيدان والرحى الحجرية ورؤوس السهام والمخارز، ويرى بيبي ان قلعة تاروت ليست مجرد اقدم منطقة بالسعودية، بل هي اقدم موقع لمدينة في الخليج.

وتوجد في الجزيرة العديد من التلال الجيرية المغطاة بالطين والتي تأخذ شكل القمع، ويضم التل حجرة الدفن، وسقفها يتألف من كتل من الحجر الجيري وتقع هذه التلال في الجنوب الشرقي من الجزيرة على مقربة من ميناء دارين، فقد عثر على مقابر تحيط بأضرحتها ملاط من الجبس، وتتناثر حولها وعلى الأرض العديد من الكسر الحجرية من الالباشير والاستيتايت.

ومرفأ دارين نفسه الذي يتمتع بشهرة تاريخية منذ القدم، والذي كان من أهم الموانئ التجارية في الخليج يضم ثروة دفينة، وتوجد على مقربة منه اكمات بدائية شاذة التكوين، يقول عنها الأهالي أنها كانت بقايا مدافن، وقد التهمها العمران في الوقت الحاضر، حتى يقال ان بلدة دارين الحديثة تستقر على اربع طبقات من المدن بعضها فوق بعض، ولا يوجد فيها الآن من الآثار البارزة سوى قلعة محمد بن عبد الوهاب على الساحل، وهي قلعة دفاعية من القلاع التي بناها البرتغاليون في القرن السادس عشر، كما عثر على كنز من المسكوكات الساسانية الفضية عند القيام بأعمال حفريات المجاري عام 1401هـ على مقربة منها.

ولا تخلو بساتين الجزيرة من الآثار المدفونة، مما يدل على ان الرقعة الآهلة بالسكان سابقا كانت اكبر مما هي عليه الآن، حتى تمتد الى مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية فقد عثر في أوائل هذا القرن على تمثال من الذهب الخالص للبعلة عشتاروت كان مدفونا في أحد بساتينها وقد اكتشفه أحد الفلاحين عن طريق الصدفة إذ كان يحرث في البستان، فسلمه لمالك النخل، مما يدل على أمرين، أما ان يكون هذا الموقع معبدا في ذلك العهد أو ان أحد اللصوص سرقه ودفنه ولم يهتد الى موضعه في ذلك البستان.

مواقع أخرى من القطيف:

وتضم الواحة ومدنها ثروات أثرية دفينة لم يكشف النقاب عنها، فقيام المدن الحالية على أنقاض المدن القديمة يحول بين عملية التنقيب، كما ان البعض منها ابتلعته زراعة النخيل، حيث أصبحت من الممتلكات الشخصية، فانطمست معالمها، كمدينة الزارة الواقعة بالقرب من العوامية، ومع هذا فقد يعثر بين حين وآخر على بعض الآثار في هذه النواحي.

فمنها لوح بخط المسند، استخرجه كورنول كان مدفونا في أحد بساتين القطيف، ويذهب الى انه نقل من جزيرة تاروت، أو من موضع لا يبعد كثيرا عن القطيف، وهو يشبه الألواح التي عثر عليها قبلا، وهو عبارة عن شاهد قبر لرجل يقال له ايليا بن عيني بن شصر من أسرة سمم من عشيرة ذال من قبيلة شذب، ويرى بعض المستشرقين ان صاحب هذا القبر كان نصرانيا عاش في القرن الخامس والسادس للميلاد.

وعثر على شاهد قبر آخر مدون بالمسند على مقربة من القطيف لقبر شبام بنت صحار بن عنهل بن صامت من قبيلة يدعب و (يدعب) من قبيلة شذب، وهي من القبائل المعروفة في العروض، وكانت ذات عدد من البطون، وليس في هذا الشاهد تاريخ سوى الرقم 90، ربما يشير الى عمر صاحبة القبر، ويرى الذين درسوا هذه اللوحة أنها تعود الى القرن السادس للميلاد.

وهناك في أماكن متفرقة، فقد عثرت بلدية القطيف على بعض الصخور، وعليها بعض الكتابات التي لم تحل طلاسمها، وكانت بلدية القطيف تحتفظ بها، ثم سلمتها أخيرا الى مصلحة الآثار بالرياض.

منطقة القلعة

وسور القلعة وجامعها القديم كان من ابرز المعالم الأثرية، التي تعود الى عهود مغرقة في القدم، وقد جدد بناء هذا السور آخر مرة في عهد السلطان سليم الثاني العثماني في القرن العاشر الهجري بعد اندحار البرتغاليين من هذه المنطقة، وهناك كانت على إحدى بواباته لوحة حجرية، كتب عليها تاريخ تجديد بنائه، كما كانت توجد وثيقة أخرى، وهي عبارة عن لوحة حجرية أخرى مماثلة عند مدخل منارة الجامع، كتب عليها تاريخ بناء المسجد الذي يعود الى القرن الثامن الهجري، أما في الوقت الحاضر فقد أزيل السور وازيل الجامع ومنارته، ولحقت بهما القلعة أخيرا فهدمت وانطمست معالمها أصبحت خبرا بعد عين، شأنها سأن المدن القديمة التي اندرست، والتي حدثنا عنها المؤرخون، كبنكات وخرشاف والغابة والسابور والجوسي والرافقة والصادرة وظلامة والظهران والزارة.

وكانت منطقة القلعة وضواحيها ابرز اثر تاريخي في القطيف، وكانت تسمى الفرضة قديما والى عهد قريب، ويحدثنا ياقوت الحموي بأن الفرضة كان يسكنها بنو عامر بن الحارث بن عبد القيس، ولعلها هي مدينة الخط التي بناها اردشير الأول، خلال القرن الثالث الميلادي والذي اتخذ القلعة – كما يبدو من تخطيطها السابق حصن دفاع وقاعدة عسكرية، لوقوعها على الساحل مباشرة، كما هو الشأن عند البرتغاليين حين استعمروا هذه المنطقة، وكما توحي الأسماء التي علقت بها كاسم الخان الذي يدعى به أحد أحيائها واسم الدروازة الذي يطلق على كل بوابة فيها بتلك الصلة بينها وبين مؤسسها الفارسي، ويبدو انه اتخذ القلعة بلاطا للحكم حيث كانت القصور الملكية تحتل وسطها، يليها في الجانب الغربي قصر الضيافة وهو موقع فريق الخان، كما تقع زرائب المواشي في الجانب الشمالي منه وهو موقع فريق الزريب، وتحيط بها الحدائق الغناء ودوالي العنب بدءا من الجامع المجاور لدروازة السوق (ويحتمل ان يكون معبدا قديما) وانتهاءا بمحلة الوارش.

كانت القلعة تسمى جبارو أو جبرو وقد استخدمت حينا من الزمن مخزنا للتوابل والعطور الواردة لها من جزيرة تاروت، ثم تحولت الى منطقة سكنية مكتظة بالمباني وكانت على شكل بيضوي، أو بلاحرى مستطيلا، يحيطها – كما شاهدناها – سور منيع مبني من الصخور والحجارة ومسيع بالجص المصهور، يبلغ سمكه سبعة أقدام وارتفاعه 30 قدما، وتبرز بين جوانبه وزواياه أبراج عالية مستديرة الشكل (نصف دائرة) يبلغ عددها 11 برجا، ويربط بينها جسر على امتداد السور بعرض مترين في أعلاه، حيث ينتقل عليه الحراس بخيولهم أثناء الليل من برج الى برج للمراقبة، وكانت للقلعة اربع بوابات ضخمة مصفحة بالحديد، تفتح نهارا وتغلق ليلا في أوقات السلم، وتؤدي كل بوابة غرضا معينا، فدروازة البحر هي المنفذ الوحيد لمينائها، وتقع شرقا، كما ان دروازة السوق وتقع في الزاوية الجنوبية الغربية هي المدخل الرئيسي للسوق، أما دروازة باب الشمال، والتي تقع في الجانب الغربي بين فريق الخان والزريب فهي المنطلق الى الريف، وتعتبر الدروازة الرابعة والتي تقع في الجانب الشمالي الشرقي، المدخل الى الكوت الذي يقع بموازاة الزاوية الشمالية الشرقية، وهو حصن صغير كان قلعة دفاع في العهد التركي ثم أهمل شأنه واتخذ في العهد السعودي محطة إرسال لا سلكية ومكتب للبريد، ويبدو انه حديث العهد بالنسبة لتاريخ بناء القلعة.

وتنقسم القلعة الى أربعة أحياء تتخللها طرق ضيقة وسوابيط مظلمة، واشهرها ساباط الظلمى الذي يقع في الزريب، فهناك فريق الخان، ويقع في الجانب الغربي الجنوبي وفيه بئر عميقة ماؤها ضارب للمرارة وهي عامة، وفريق السدرة ويقع في الجانب الشرقي الجنوبي، وفيه بئر عامة ماؤها ضارب الى الملوحة تسمى بئر الجبلة وفريق الزريب ويقع في الجانب الشمالي الغربي، وفيه بئر عامة تسمى (مغيبوه) وهي أحلى الآبار يستقي منها جميع سكان القلعة رغم وجود الآبار في كل بيت، أما الجانب الشمالي الشرقي فيسمى فريق الوارش، وبه ينبوع ماء يسيح على وجه الأرض، ويسقي بعض النخيل الموجودة في ذلك الحي، ثم يتجه شمالا ويصب في البحر، ثم عملت له قناة لتتجه مياهه الى بركة مسجد الأمارة شرقا، ومن ثم تواصل مجراها الى البحر، ويبدو ان لاسماء الافرقة صلة وثيقة بتاريخ القلعة في بدء تأسيسها أو اتخاذ منطقة سكنية.

فالخان اسم إيراني معناه الفندق أو نزل المسافرين، والزريب تصغير زرب وهو حظيرة المواشي، والسدرة نسبة الى شجرة نبق شهيرة بجودتها وهي فصيلة هندية، وأما الوارش فيظهر انه كان في الأصل محط الدخلاء من ورش على القوم أي دخل بدون إذن ولم يدع للأكل كما توجد في داخل القلعة في الجانب الجنوبي والشرقي بمحاذاة السور عدد من البساتين وتسمى دوالي تسقى سيحا بواسطة سيحة التوبي، ويبدو ان المساحة المزروعة سابقا اكثر مما رأيناه، إذ من المحتمل أنها تمتد من دروازة السوق من مورد الكريدي حتى محلة الوارش.

وكان يوجد في القلعة أحد عشر مسجدا اشهرها مسجد الراجحية والبرودة، والخان واهمها جامع المنارة وهو اقدم جامع بها ويقع على مقربة من دروازة السوق، ويرجع بناؤه الى القرن الثامن الهجري وقد كتب تاريخ بناؤه على لوحة حجرية كانت موجودة في داخله، ويقال ان تأسيسه ابعد من هذا التاريخ بكثير ، وقد رأيناه مهجورا متداعي البنيان زلم يبق منه بصورة سليمة الا مئذنته المستديرة العالية والتي يبلغ ارتفاعها نحو 30 مترا، والتي كانت تشرف على الحاضرة وضواحيها، وكانت سابقا تستخدم لأغراض استطلاعية حربية، فأصيبت بقذيفة مدفع فانبتر جزؤها الأعلى- كما رأيناها، ثم قامت البلدية بتكملة الجزء المتهدم في عهد المغفور له جلالة الملك عبد العزيز، واستخدمت لإنارة البلدة، فكان يعلق في أعلاها مصباح من الغاز قوته 400 شمعة فتنير ما حولها، أما الآن فقد أزيلت تلك المئذنة كما أزيل الجامع القديم وجدد بناؤه واستعمل لإقامة صلاة الجمعة.

وقدر لوريمر أطول جهات القلعة بأربعمائة ياردة من الجهتين الشرقية والغربية و 300 ياردة من الجهتين الشمالية والجنوبية كما يقدر سكانها بخمسة آلاف نسمة وأسواقها بـ 300 محل تجاري وهذه الأسواق كانت تبدأ من دروازة السوق وتنتهي بالقرب من الدبابية وهي الآن في موقع شارع الملك عبد العزيز، وهي عبارة عن سكة مسقوفة على شكل جملون بين صفين من الحوانيت تمتد من تقاطع شارع المدارس حتى شارع جعفر الخطي، ثم تنعطف الى الغرب باتجاه الشارع نفسه حتى مؤخرة مدرسة زين العابدين الابتدائية، وكانت تسمى هذه الانعطافة (سوق الحرية) تنتهي ببوابة ضخمة تفتح نهارا وتغلق ليلا.

وتقع ضواحي القلعة في الجهة الغربية والجنوبية منها وتكاد البساتين تحيط بها وضواحيها من كل جانب، باستثناء جهة البحر وقد تحولت الآن تلك البساتين التي تحيط بالقلعة وضواحيها الى أحياء سكنية، كما تحولت البساتين التي بجانب السوق كالضبيخة والدالية الى أسواق عامرة.

أما الضواحي القديمة فكانت كالتالي:

1- باب الشمال:

وسمي بذلك لوقوعه مقابل البوابة الشمالية الغربية أول الأحياء في الجهة الشمالية حيث يقع في الجهة الغربية من القلعة خارج السور مباشرة، ويمتهن أهله صيد السمك والزراعة ويصفه لوريمر بأنه قرية غير مسورة، تتكون من 80 منزلا، ويعمل أهلها بصيد اللؤلؤ والسمك، ويملكون حدائق النخيل.

2- الجراري:

وسمي بذلك لتركز صناعة الجرار وغيرها من الفخار، حيث توجد فيها الدوغ وتقع الى الجهة الغربية الجنوبية من باب الشمال، وكان أهلها يمتهنون بالإضافة الى ذلك تجارة سعف النخيل والجريد، حيث تقع فيها المصامط كما يوجد فيها أنوال الحصر المتخذة من الاسل، ووصفها لوريمر بأنها قرية مسورة تتكون من 40 منزلا، معظمها أكواخ من سعف النخيل، ويعمل أهلها بزراعة النخيل.

3- المدارس:

ولعلها كانت في الأصل مركزا للتعليم أو مجمع مدرسي في عهد سابق، كما يدل على ذلك اسمها، وهي تقع في الجنوب الغربي من القلعة، ووصفها لوريمر بأنها قرية مسورة على بعد 150 ياردة من القلعة، وتتكون من 120 منزلا، وأهلها يعملون بالتجارة والزراعة.

4- الشريعة:

وهي لغة مورد الشرب ولا اعرف علة هذه التسمية، وتقع الى الجهة الجنوبية من القلعة، ووصفها لوريمر بأنها قرية مسورة على بعد 100 ياردة من القلعة، تفصل بينهما مقبرة وغابة من النخيل وتتكون من 120 منزلا، معظمها مبنية بالحجارة والطين، وأهلها يمتهنون التجارة وصيد الأسماك وتقع السوق في الجانب الغربي منها، والى الجنوب منها ساحة أرضها جبلية (تسمى الجبلة) وهي مركز تجارة التمور، كما يوجد في مدخل الجبلة مقهى عبارة عن نادي يجتمع فيه أعيان القطيف من الملاكين وسماسرة تجار التمور.

5- مياس:

ولا اعرف علة هذه التسمية، وتقع في الزاوية الغربية الجنوبية بين سكة السوق وسكة الحرية، وهي مسورة، تحيط بها من الغرب والشمال غابة من النخيل، ويصفها لوريمر بأنها على بعد 120 ياردة غربي القلعة، وتتكون من 150 منزلا مبنية بالطين والحجارة وأهلها يشتغلون بالتجارة والزراعة.

6- الكويكب:

تصغير كوكب، تقع على ربع ميل من القلعة، وكانت تحف بها النخيل من كل جانب وهي مسورة كما يذكر لوريم تتكون من 250 منزلا، مبنية بالجص والحجارة، وأهلها يشتغلون بالزراعة وصيد اللؤلؤ.

7- الدبابية:

تقع في الجهة الغربية الجنوبية من سوق الحرية، وتحيط بها بساتين النخيل من كل جانب، وتبعد عن القلعة كما يذكر لوريمر بنحو نصف ميل، وهي مسورة تتكون من 250 منزلا اغلبها مبنية من الحجر والجص وتتخللها بعض الاكواخ، ويعمل اهلها بزراعة النخيل حيث تلحق بها سيحة تسمى باسمها، ويملكون سبعة قوارب لصيد اللؤلؤ، وفي جانبها الشرقي عين عذبة تسمى باسمها بمحاذاة السور، وتسقي النخيل المجاورة لها كما يسقي منها سكان القلعة وضواحيها، وقد أقيم على مجراها بداخل البلدة حماما للرجال وآخر للنساء، كما توجد في الجانب الشرقي منها مقبرة عامة يدفن فيها سكان الضواحي القريبة منها موتاهم.

هذه صورة القلعة وضواحيها قبل ربع قرن تقريبا، وقد شاهدناها كما وصفها لوريمر وسجلنا هذه الصورة للذكرى والتاريخ، وهي كانت تجسد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة في ذلك الحين، كما تخفي تحت أرضها كنوزا من الآثار المدفونة، وتفصح مبانيها عن حكاية أمجاد الماضي. أما الآن فقد اختفت هذه الصورة، وهي في سبيلها الى الاندثار بعد ان شقت الشوارع فيها، وابتلعت المساكن والمتاجر مبانيها وبساتين النخيل التي كانت موجودة حولها.

المصدر:
«واحة على ضفاف الخليج» لمحمد سعيد المسلم «رحمه الله»